تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فهذا خلق فيه دواعي الخير والشر ، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر ، وبهذا تظهر حكمة إرسال الرسل . وإن أردتم موضع السر فاللّه قد علم آدم أسماء الأشياء المادية التي بها تعمر الدنيا وتصلح إلى الأبد ، ثم عرض هذه الأشياء على الملائكة ، وقال لهم : أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في دعوى أنكم أحق بالخلافة من غيركم . فوقفوا عاجزين ، قالوا : يا رب لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم بكل شيء الحكيم في كل صنع . فقال المولى - جل جلاله - : يا آدم أخبرهم بأسمائهم ، فلما أخبرهم بالأسماء أدركوا السر في خلافة آدم وبنيه وأنهم لا يصلحون لعدم استعدادهم للاشتغال بالماديات ، والدنيا لا تقوم إلا بها إذ هم خلقوا من النور وآدم خلق من الطين ، فالمادة جزء منه . وهنا قال اللّه - سبحانه - : ألم أقل إني أنا العالم بكل ما غاب وما حضر في السماوات والأرض ؟ وأعلم ما ظهر ، وما تبدون وما تكتمون . قصة ثانية تبين لنا مدى تكريم اللّه للإنسان ؛ حيث أمر الملائكة بالسجود له ، وفي هذا تعظيم وأي تعظيم ! واذكر يا محمد لقومك وقت أن قلنا للملائكة الأطهار : اسجدوا لآدم سجود تعظيم وإجلال لا سجود عبادة وتأليه كما يفعل الكفار مع أصنامهم ، فسجد الملائكة جميعا وامتثلوا أمر اللّه إلا إبليس اللعين فإنه امتنع من السجود واستكبر قائلا : أأسجد له وأنا خير منه ؟ خلقتني من نار وخلقته من طين ، منعه حسده وغروره وتكبره من امتثال أمر ربه ، ولعل هذا الإباء والاستكبار والتعالي والغرور الذي عند إبليس من صفات النار التي خلق منها ، وهكذا قد خرج عن أمر ربه فاستحق اللعنة وكان من الكافرين . يا ابن آدم ! هكذا شرفك اللّه وكرمك
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
« 1 » بأن جعلك خليفة في الأرض ، وعلمك ما لم تكن تعلم
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
، وأمر الملائكة بالسجود لأبيك فسجدوا ، أفيليق بك أن تقف موقفا لا يرضاه ربك ؟ لا بل يجب أن تمتثل أمر ربك وأن تعصى الشيطان عدوك ، وأن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية رقم 70 .