تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
في تفسير مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه وآله قال : « تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم ، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم » . « صيحة » صاح : رفع الصوت ، وأصله تشقيق الصوت من قولهم انصاح الخشب أو الثوب إذا انشقّ فسمع منه صوت ، وصيح الثوب كذلك . « يخصّمون » : من مادة « خصم » بمعنى النزاع . والمقصود هو التخاصم على أمر الدنيا والأمور المعيشية الأخرى . فإنّ القرآن بهذا التعبير القصير والحازم إنّما أراد تنبيههم إلى أنّ القيامة ستأتي وبشكل غير متوقّع ، هذا أوّلًا . وأمّا ثانياً فإنّ قيام الساعة ليس بالموضوع المعقّد بحيث يختصمون ويتنازعون فيه ، فبمجرّد صيحة واحدة ينتهي كل شيء وتنتهي الدنيا بأسرها . لذا فهو تعالى يضيف في الآية التالية قائلًا : « فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ » . في العادة فإنّ الإنسان حينما تلم به حادثة ويحسّ بعدها بقرب أجله ، يحاول جاهداً أن يوصل نفسه إلى أهله ومنزله ويستقرّ بين عياله ، ثم يقوم بإنجاز بعض الأمور المعلّقة ، ويعهد بأبنائه أو متعلّقيه إلى من يثق به عن طريق الوصية أو غير ذلك . ويوصي بإنجاز بعض الأمور الأخرى . ولكن هل تترك الصيحة السماوية فرصة لأحد ؟ ولو سنحت الفرصة فرضاً فهل يبقى أحد حيّاً ليستمع الوصية . ثم تشير الآيات إلى مرحلة أخرى ، مرحلة الحياة بعد الموت ، فتقول : « وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ » . التراب والعظام الرميم تلبس الحياة من جديد ، وتنتفض من القبر بشراً سويّاً ، ليحضر المحاكمة والحساب في تلك المحكمة العظيمة المهولة ، وكما أنّهم ماتوا جميعاً بصيحة واحدة ، فبنفخة واحدة يبعثون أحياء من جديد ، فلا هلاكهم يشكّل عقبة أمام قدرة اللَّه سبحانه وتعالى ، ولا حياتهم كذلك . « أجداث » : جمع « جدث » وهو القبر ، والتعبير يشير بوضوح إلى أنّ للمعاد جنبة جسمانية بالإضافة إلى الجنبة الروحية ، وأنّ الجسد يعاد بناؤه جديداً من نفس المواد السابقة .