تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
يذهل الإنسان ويصرفه عن سواه ، سواء كان مما يبعث على المسرّة أو الحزن ، ولكن لإلحاقه كلمة « فاكهون » التي هي جمع « فاكه » وهو المسرور الفرح الضاحك ، يمكن إستنتاج أنّ المعنى إشارة إلى الإنسان المشغول بنفسه والمنصرف تماماً عن التفكير في أي قلق أو ترقّب ، والغارق في السرور والسعادة والنشاط بشكل لا يترك أي مجال للغمّ والحسرة أن تعكّر عليه صفوه ، وحتى أنّه ينسى تماماً هول قيام القيامة والحضور في محكمة العدل الإلهية ، تلك المواقف التي لولا نسيانها فإنّها حتماً ستلقي بظلالها الثقيلة من الغمّ والقلق على القلب ، وبناءً على ذلك فإنّ أحد الآثار المترتبة على إنشغال الذهن بالنعمة هو نسيان أهوال المحشر . وبعد التعرض إلى نعمة الطمأنينة وراحة البال التي هي أساس جميع النعم الأخرى وشرط الاستفادة من جميع المواهب والنعم الإلهية الأخرى ، ينتقل إلى ذكر بقية النعم ، فيقول تعالى : « هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظِللٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكُونَ » . « أزواج » تشير إلى الزوجة التي يعطيها اللَّه في الجنة ، أو الزوجة المؤمنة التي كانت معه في الدنيا . التعبير ب « ظلال » يدلّل على وجود الشمس هناك ، ولكنّها ليست شمساً مؤذية . إضافةً إلى ذلك فإنّ : « لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ » . « يدعون » : أي يطلبون ، والمعنى أنّ كل ما يطلبونه ويتمنّونه يحصلون عليه . وعليه فإنّ كل ما يخطر على بال الإنسان وما لا يخطر من المواهب والنعم الإلهية موجود هناك معدّ ومهيّأ ، واللَّه عنده حسن الثواب . وأهمّ من كل ذلك ، المواهب المعنوية التي أشارت إليها آخر آية بقولها : « سَلمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ » . هذا النداء الذي تخفّ له الروح ، فيملؤها بالنشاط ، هذا النداء المملوء بمحبة اللَّه ، يجعل الروح الإنسانية تتسلّق الأفراح نشوى بالمعنويات التي لا يرقى إليها وصف ولا تعادلها أيّة نعمة أخرى . نعم فسماع نداء المحبوب ، النداء الندي بالمحبّة ، المعطّر باللطف ، يغمر سكّان الجنة بالحبور . . . الحبور الذي تعادل اللحظة منه جميع ما في الدنيا ، بل ويفيض عليه . ففي الدرّ المنثور قال النبي صلى الله عليه وآله : « بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الربّ قد أشرف من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وذلك قول اللَّه تعالى : « سَلَامٌ قَوْلًا مّن رَبّ رَّحِيمٍ » قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتوا إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم » .