تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) لماذا عبدتم الشيطان : مرّ في الآيات السابقة جانب من المصير المشوّق لأهل الجنة ، وفي هذه الآيات مورد البحث جانب بئيس من مصير أهل النار وعبدة الشيطان . أوّلًا : يخاطبون في ذلك اليوم خطاباً تحقيرياً : « وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ » . فأنتم ربّما دخلتم في صفوف المؤمنين في الدنيا وتلوّنتم بلونهم تارةً ، واستفدتم من حيثيتهم واعتبارهم ، أمّا اليوم « فامتازوا عنهم » وأظهروا بشكلكم الأصلي الحقيقي . الآية التالية تشير إلى لوم اللَّه تعالى وتوبيخه المجرمين في يوم القيامة قائلًا : « أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى ءَادَمَ أَن لَّاتَعْبُدُوا الشَّيْطنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ » . جرى هذا التحذير وبشكل متكرر على لسان الأنبياء والرسل . ومن جانب آخر فإنّ هذا العهد اخذ على الإنسان في عالم التكوين ، وبلسان إعطاء العقل له ، إذ إنّ الدلائل العقلية تشير بشكل واضح إلى أنّ على الإنسان أن لا يطيع من تصدّى لعداوته منذ اليوم الأوّل وأخرجه من الجنة ، وأقسم على إغواء أبنائه من بعده . ومن جانب ثالث فقد اخذ هذا العهد على الإنسان بالفطرة الإلهية للناس على التوحيد ، وإنحصار الطاعة في اللَّه سبحانه ، وبهذا لم تتحقق التوصية الإلهية هذه بلسان واحد ، بل بعدة ألسنة وأساليب ، وامضي هذا العهد والميثاق . الآية التالية تأكيد أشد وبيان لوظيفة بني آدم ، تقول الآية الكريمة : « وَأَنِ اعْبُدُونِى هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ » . اخذ على الإنسان العهد بأن لا يطيع الشيطان ، إذ أنّه أعلن له عن عداوته بشكل واضح منذ اليوم الأوّل ، فهل يطيع عاقل أوامر عدوّه ؟ ! . . هذا من جانب . ومن جانب آخر ، اخذ عليه العهد بطاعة اللَّه سبحانه وتعالى ، لأنّ سبيله هو الصراط المستقيم ، وهذا في الحقيقة أعظم محرّك للبشر . ويستفاد كذلك من هذا التعبير ضمناً بأنّ الدنيا ليست بدار القرار ، إذ إنّ الطريق لا يُرسم لأحد إلّالمن يريد الذهاب إلى مقصد آخر .