تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
ثم تشير إلى الدليل الأخير فتقول : « هذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى » وهذا هو الدليل الذي ذكره علماء العقائد تحت عنوان : ( إجماع وإتّفاق الأنبياء على التوحيد ) . ولما كانت كثرة المشركين ( وخاصةً في ظروف حياة المسلمين في مكة ، والتي نزلت فيها هذه السورة ) مانعاً أحياناً من قبول التوحيد من قبل بعض الأفراد ، فهي تضيف : « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ » . لقد كانت مخالفة الأكثرية الجاهلة في كثير من المجتمعات دليلًا وحجة لإعراض الغافلين الجاهلين دائماً ، وقد إنتقد القرآن الاستناد إلى هذه الأكثرية بشدة في كثير من الآيات ، سواء التي نزلت في مكة أو المدينة . ولما كان من المحتمل أن يقول بعض الجهلة الغافلين أنّ لدينا أنبياء كعيسى مثلًا دعوا إلى آلهة متعددة ، فإنّ القرآن الكريم يقول في آخر آية من الآيات محل البحث بصراحة تامة : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » . وبهذا يثبت أنّه لا عيسى ولا غيره قد دعا إلى الشرك ، ومثل هذه النسبة إليه تهمة وافتراء . وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) لمّا كان الكلام في آخر آية عن الأنبياء ، ونفي كل أنواع الشرك ، ونفي كون المسيح عليه السلام ولداً ، فإنّ كل الآيات محلّ البحث تتحدّث حول نفي كون الملائكة أولاداً . وتوضيح ذلك أنّ كثيراً من مشركي العرب كانوا يعتقدون أنّ الملائكة بنات اللَّه سبحانه ، ولهذا السبب كانوا يعبدونها أحياناً ، والقرآن الكريم إنتقد هذه العقيدة الخرافية التي لا أساس لها ، وبيّن بطلانها بالأدلّة المختلفة . يقول أوّلًا : « وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا » . فإن كان مرادهم الولد الحقيقي ، فإنّه يلزم من هذا الجسمية ، وإن كان المراد التبنّي - والذي كان إعتيادياً ومتداولًا بين العرب - فإنّ ذلك أيضاً دليل على الضعف والاحتياج ، إلّاأنّ الوجود الأزلي الأبدي وغير الجسماني ، وغير المحتاج من جميع الجهات ، لا معنى لوجود الولد له ، ولذلك فإنّ القرآن يقول مباشرةً : « سُبْحنَهُ » .