تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وتبيّن الآية التالية أحد الأدلة الواضحة على نفي آلهة وأرباب المشركين ، فتقول : « لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحنَ اللَّهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » . هذه الإدعاءات غير الصحيحة وهذه الأرباب المصنوعة والآلهة المظنونة ليست إلّا أوهاماً ، وساحة كبرياء ذاته المقدسة لا تتلوّث بهذه النسب المغلوطة . إنّ الدليل الوارد في الآية آنفة الذكر الذي يتحرك لإثبات التوحيد ونفي الآلهة ، في الوقت الذي هو بسيط وواضح ، فإنّه من البراهين الفلسفية الدقيقة في هذا الباب ، ويذكره العلماء تحت عنوان ( برهان التمانع ) . ويمكن إيضاح خلاصة هذا البرهان بما يلي : إنّنا نرى نظاماً واحداً حاكماً في هذا العالم ، إنّ إنسجام القوانين وأنظمة الخلقة هذه يحكي أنّها تنبع من عين واحدة ، لأنّ البدايات إن كانت متعددة ، والإرادات مختلفة ، لم يكن يوجد هذا الانسجام مطلقاً . لأنّ لكل واحدة قضاء ، وكانت الأخرى تمحو أثر الأولى ، وسيؤول العالم إلى الفساد عندئذ . وبعد أن ثبت بالاستدلال الذي ورد في الآية توحيد مدبّر ومدير هذا العالم ، فتقول الآية التالية : إنّه قد نظّم العالم بحكمة لا مجال فيها للإشكال والإنتقاص ولا أحد يعترض عليه في خلقه : « لَايُسَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسَلُونَ » . إنّ لدينا نوعين من الأسئلة : الأوّل : السؤال التوضيحي ، وهو أن يكون الإنسان يريد أن يعلم النقطة الأصلية والهدف الحقيقي من المسائل ، ومثل هذا السؤال جائز حتى حول أفعال اللَّه . أمّا النوع الثاني : فهو السؤال الإعتراضي ، والذي يعني أنّ العمل الذي تمّ كان خطأً . من المسلم أنّ هذا النوع من السؤال لا معنى له حول أفعال اللَّه الحكيم ، إلّاأنّ مجال هذا السؤال حول أفعال الآخرين واسع . وتشتمل الآية التالية على دليلين آخرين في مجال نفي الشرك ، فمضافاً إلى الدليل السابق يصبح مجموعها ثلاثة أدلة . تقول الآية أوّلًا : « أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهنَكُمْ » . وهو إشارة إلى أنّكم إذا صرفتم النظر عن الدليل السابق القائم على أنّ نظام عالم الوجود دليل على التوحيد ، فإنّه لا يوجد أيّ دليل - على الأقل - على إثبات الشرك والوهية هذه الآلهة ، فكيف يتقبّل إنسان عاقل مطلباً لا دليل عليه ؟