تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
« القصم » : يعني الكسر المقترن بالشدة ، فإنّها توحي بأنّ اللَّه سبحانه قد أعدّ أشدّ العقاب والانتقام للأقوام الظالمين الجائرين . عند ذلك توضّح الآية حال هؤلاء عندما تتّسع دائرة العذاب لتشمل ديارهم العامرة ، وعجزهم أمام العقاب الإلهي ، فتقول : « فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ » « 1 » . إلّا أنّه يقال لهؤلاء من باب التوبيخ والتقريع : « لَاتَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسَلُونَ » . إنّ هذه العبارة قد تكون إشارة إلى أنّ هؤلاء حينما كانوا غارقين في تلك النعمة الوفيرة ، كان السائلون وطالبو الحاجات يترددون دائماً إلى أبوابهم ، يأتون والأمل يقدمهم ، ويرجعون بالخيبة والحرمان ، فالآية تقول لهم : إرجعوا وأعيدوا ذلك المشهد اللعين ، وهذا في الحقيقة نوع من الاستهزاء والملامة . إنّ هؤلاء يعون في هذا الوقت حقيقة الأمر ، ويرون ما كانوا يسخرون منه من قبل قد تجلّى أمامهم بصورة جديّة تماماً ، فتعلو صرختهم : « قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ » . إلّا أنّ هذا الوعي الاضطراري للإنسان عندما يواجه مشاهد العذاب لا قيمة له ، ولا يؤثّر في تغيير مصير هؤلاء ، ولذلك فإنّ القرآن في آخر آية من الآيات محل البحث يضيف : « فَمَا زَالَت تّلْكَ دَعْوَيهُمْ حَتَّى جَعَلْنهُمْ حَصِيدًا » فيلقونهم على الأرض كالزرع المحصود ، وتبدّل مدينتهم التي غمرتها الحياة والحركة والعمران إلى قبور مهدّمة مظلمة ، فيصبحوا « خمِدِينَ » « 2 » . وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) خلق السماء والأرض ليس لهواً : لمّا كانت الآيات السابقة قد عكست هذه الحقيقة وهي : إنّ الظالمين الذين لا إيمان لهم لا يعتقدون بوجود هدف وغاية من خلقهم إلّاالأكل
هامش
( 1 ) « الركض » : يأتي بمعنى ركض الإنسان بنفسه ، أو بمعنى إركاض المركب والدابة ، ويأتي أحياناً بمعنى ضرب الرجل على الأرض ؛ مثل « أُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ » - سورة ص / 42 . ( 2 ) « خامد » : من مادّة الخمود ، بمعنى إنطفاء النّار ، ثُمّ أطلقت على كل شيء يفقد حركته وفاعليّته ونشاطه .