تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وبما أنّ بعض الغارقين في الذنوب والمعاصي قد يحتمل أن تنالهم شفاعة الشافعين وتنجيهم ، فإنّه يضيف مباشرة : « يَوْمَئِذٍ لَّاتَنفَعُ الشَّفعَةُ إِلَّا مَن أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا » . وهذا إشارة إلى أنّ الشفاعة هناك ليست إعتباطية وعشوائية ، بل إنّ هناك تخطيطاً دقيقاً لها ، سواء ما يتعلق بالشافعين أو المشفوع لهم ، وما دام الأفراد لا يملكون الأهلية والاستحقاق للشفاعة ، فلا معنى حينئذ لها . ولمّا كان حضور الناس في عرصات القيامة للحساب والجزاء لابدّ معه من علم اللَّه سبحانه بأعمالهم وسلوكهم ومعاملاتهم ، فإنّ الآية التالية تضيف : « يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا » . فهو يعلم ما قدّم المجرمون وما فعلوه في الدنيا ، وهو مطّلع على كل أفعالهم وأقوالهم ونيّاتهم في الماضي وما سيلاقونه من الجزاء في المستقبل ، إلّاأنّهم لا يحيطون بعلم اللَّه ، وبهذا فإنّ إحاطة علم اللَّه سبحانه تشمل العلم بأعمال هؤلاء وبجزائهم ، وهذان الركنان في الحقيقة هما دعامة القضاء التام العادل . في ذلك اليوم : « وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىّ الْقَيُّومِ » . « العنت » : من مادة العنوة ، وقد وردت بمعنى الخضوع والذلة ، ولذلك يقال للأسير : « عاني » ، لأنّه خاضع وذليل في يد الآسر ، وإذا رأينا الخضوع قد نسب إلى الوجوه هنا ، فلأنّ كل الإحساسات النفسية ، ومن جملتها الخضوع ، تظهر آثارها أوّلًا على وجه الإنسان . إنّ انتخاب صفتي « الحي والقيوم » هنا من بين صفات اللَّه سبحانه ، لأنّهما يناسبان النشور أو الحياة وقيام الناس جميعاً من قبورهم « يوم القيامة » . وتختتم الآية بالقول : « وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا » فالظلم والجور كالحمل العظيم الذي يثقل كاهل الإنسان ، ويمنعه من السير والرقي إلى نعم اللَّه الخالدة . ولمّا كانت طريقة القرآن غالباً هي بيان تطبيقي للمسائل ، فإنّه بعد أن بيّن مصير الظالمين في ذلك اليوم ، تطرّق إلى بيان حال المؤمنين فقال : « وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا » « 1 » . التعبير ب « مِنَ الصَّالِحَاتِ » إشارة إلى أنّهم إن لم يستطيعوا أن يعملوا كل الصالحات فليقوموا ببعضها ، لأنّ الإيمان بدون العمل الصالح كالشجرة بلا ثمرة ، كما أنّ العمل الصالح
هامش
( 1 ) « الهضم » : بمعنى النقص ، وإذا قيل لجذب الغذاء إلى البدن : هضم ، فلأنّ الغذاء يقلّ ظاهراً وتبقى فضلاته .
مختصر الامثل — صفحة 229 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي