تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
والثانية : إنّ جملة ( صرّفنا ) أحياناً تشير إلى التعبيرات القرآنية المختلفة حول حادثة واحدة ، فمثلًا نراه يبيّن مسألة الوعيد وعقاب المجرمين من خلال ذكر قصص الأمم السابقة وحوادثها تارة ، وتارة أخرى على هيئة خطاب موجّه للحاضرين ، وثالثة بتجسيد حالهم في مشهد القيامة ، وهكذا . أمّا الآية التالية فتضيف قائلة : « فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ » . وبما أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يعجّل في إبلاغ الوحي وما ينزل من القرآن لاهتمامه به وتعشّقه أن يحفظه المسلمون ويستظهروه ، ولم يتمهّل أن يتمّ جبرئيل ما يلقيه عليه من الوحي فيبلغه عنه ، فإنّ الآية محلّ البحث تذكّره بأن يتمهّل فتقول : « وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا » . فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله مأموراً أن يطلب زيادة العلم من ربّه إلى آخر عمره مع غزارة علمه ، وروحه المليئة وعياً وعلماً ، فإنّ واجب الآخرين واضح جدّاً ، وفي الحقيقة ، فإنّ العلم من وجهة نظر الإسلام لا يعرف حدّاً ، وزيادة الطلب في كثير من الأمور مذمومة إلّافي طلب العلم فانّها ممدوحة ، والإفراط قبيح في كل شيء إلّافي طلب العلم . وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ( 116 ) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَنْ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ( 118 ) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ( 119 ) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ( 120 ) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ( 121 ) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ( 122 ) آدم ومكر الشيطان : إنّ هذه الآيات وما بعدها تتحدث عن قصة آدم وحواء ، وعداء ومحاربة إبليس لهما ، وربما كانت إشارة إلى أنّ الصراع بين الحق والباطل لا ينحصر بالأمس واليوم ، وموسى عليه السلام وفرعون ، بل كان منذ بداية خلق آدم وسيستمر كذلك .
مختصر الامثل — صفحة 231 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي