فالتعبير بكون القرآن عربياً - الذي تكرر في عشرة موارد من القرآن - جواب لأولئك الذين يتهمون النبي صلى الله عليه وآله بأنّه تعلم القرآن من أعجمي ، وأنّ محتوى القرآن مستورد وليس وحياً إلهياً .
وهذه التعبيرات المتتابعة تحتم ضمناً وظيفةً مفروضة على جميع المسلمين ، وهي أن يسعوا جميعاً إلى معرفة اللغة العربية وأن تكون اللغة الثانية إلى جانب لغتهم ، لأنّها لغة الوحي ومفتاح فهم حقائق الإسلام .
ثم يقول سبحانه : « نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ » .
يعتقد بعض المفسرين أنّ « أَحْسَنَ الْقَصَصِ » إشارة إلى مجموع القرآن .
إنّ اللَّه سبحانه عبّر ب « أَحْسَنَ الْقَصَصِ » عن مجموع هذا القرآن الذي جاء في أجمل البيان والشرح ، وأفصح الألفاظ وأبلغها ، مقرونةً بأسمى المعاني وأدقّها ، بحيث يبدو ظاهره عذباً جميلًا ، ومن حيث الباطن فمحتواها عظيم .
ولكن ارتباط الآيات المقبلة التي تبيّن قصة يوسف عليه السلام مع هذه الآية - محل البحث - بشكل يشدّ ذهن الإنسان إلى هذا المعنى ، وهو أنّ اللَّه عبر عن قصة يوسف ب « أَحْسَنَ الْقَصَصِ » وقلنا مراراً أنّه لا مانع من أن تكون مثل هذه الآيات للمعنيين جميعاً . . . فالقرآن هو أحسن القصص بصورة عامة ، وقصة يوسف هي أحسن القصص بصورة خاصة .
أثر القصة في حياة الناس : مع ملاحظة أنّ القسم المهم من القرآن قد جاء على صورة تأريخ للُامم السابقة وقصص الماضين ، فقد يتساءل البعض : لِم يحمل هذا الكتاب التربوي كل هذا « التاريخ » والقصص ؟ !
وتتضح العلة الحقيقية للموضوع بملاحظة عدّة نقاط :
1 - إنّ التاريخ مختبر لنشاطات البشرية المختلفة ، وما رسمه الإنسان في ذهنه من الأفكار والتصورات يجده بصورة عينية على صفحات التاريخ .
2 - ثم بعد هذا فإنّ للتاريخ والقصة جاذبية خاصة ، والإنسان واقع تحت هذا التأثير الخارق للعادة في جميع أدوار حياته من سنّ الطفولة حتى الشيخوخة .
والعلة في ذلك قد تكون أنّ الإنسان حسي بالطبع قبل أن يكون عقلياً ويتخبط في المسائل المادية قبل أن يتعمق في المسائل الفكرية .
مختصر الامثل — صفحة 438
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٣٨