والمقصود من السجود هنا هو الخضوع والتواضع ، وإلّا فإنّ السجود المعروف عند الناس لا مفهوم له بالنسبة للكواكب والشمس والقمر . إنّ هذه الرؤيا المثيرة ذات المغزى تركت يعقوب النبي غارقاً في التفكير . . . فالقمر والشمس والكواكب ، وأي الكواكب ! إنّها أحد عشر يسجدون جميعاً لولدي يوسف ، كم هي رؤيا ذات مغزى ! لا شك أنّ الشمس والقمر « أنا وأمه أو خالته » والكواكب الأحد عشر إخوته ، هكذا يرتفع قدر ولدي حتى تسجد له الشمس والقمر وكواكب السماء .
إنّ ولدي « يوسف » عزيز عند اللَّه إذا رأى هذه الرؤيا المثيرة ! لذلك توجه إلى يوسف بلهجة يشوبها الاضطراب والخوف المقرون « بالفَرحة » و « قَالَ يَا بُنَىَّ لَاتَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا » وأنا أعرف « إِنَّ الشَّيْطنَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ » وهو منتظر الفرصة ليوسوس لهم ويثير نار الفتنة والحسد وليجعل الإخوة يقتتلون فيما بينهم .
ولكن هذه الرؤيا لم تكن دليلًا على عظمة يوسف في المستقبل من الوجهة الظاهرية والمادية فحسب ، بل تدل على مقام النبوة التي سيصل إليها يوسف في المستقبل .
ولذلك فقد أضاف يعقوب - لولده يوسف - قائلًا : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرهِيمَ وَإِسْحقَ » « 1 » .
أجل فإنّ اللَّه على كل شيء قدير و « إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .
الرؤيا والحُلم : إنّ الرؤيا والأحلام على أقسام :
1 - الرؤيا المرتبطة بماضي الحياة حيث تشكل الرغبات والأمنيات قسماً مهماً من هذه الأحلام .
2 - الرؤيا غير المفهومة والمضطربة وأضغاث الأحلام التي تنشأ من التوهم والخيال وإن كان من المحتمل أن يكون لها دافع نفسي .
3 - الرؤيا المرتبطة بالمستقبل والتي تخبر عنه .
هامش
( 1 ) « التأويل » : في الأصل إرجاع الشيء ، وكل عمل أو كل حديث يصل إلى الهدف النهائي يطلق عليه « تأويل » وتحقق الرؤيا في الخارج مصداق للتأويل . . . و « الأحاديث » : جمع الحديث ، وهو نقل ما يجري ، والحديث هنا كناية عن الرؤيا لأنّ الإنسان ينقلها للمعبرين .