وكلما ابتعد الانسان عن ميدان الحسّ ، باتجاه المسائل العقلية كانت هذه المسائل أثقل على الذهن وأبطأ هضماً .
ومن هنا نلاحظ أنّه لأجل بيان الاستدلال العقلي يستمدّ المفكرون في المسائل الاجتماعية والحياتية المختلفة من الأمثلة الحسية ، وأحياناً يكون للمثال المناسب والمؤثر في الاستدلال قيمة مضاعفة ، ولذلك فإنّ العلماء الناجحين هم أولئك الذين لهم هيمنة على انتخاب أحسن الأمثلة .
3 - القصة والتاريخ مفهومان عند كل أحد ، وعلى هذا فإنّ الكتاب الشامل الذي يريد أن يستفيد منه البدوي الامّي والمتوحش . . . إلى الفيلسوف والمفكر الكبير ، يجب أن يكون معتمداً على التاريخ والقصص والأمثلة .
ومجموعة هذه الجهات تبيّن أنّ القرآن خطا أحسن الخطوات في بيان التواريخ والقصص في سبيل التعليم والتربية .
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ( 4 ) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) بارقة الأمل وبداية المشاكل : بدأ القرآن بذكر قصة يوسف من رؤياه العجيبة ذات المعنى الكبير ، لأنّ هذه الرؤيا في الواقع تعدّ أوّل فصل من فصول حياة يوسف المتلاطمة .
جاء يوسف في أحد الأيام صباحاً إلى أبيه وهو في غاية الشوق ليحدثه عن رؤياه ، وليكشف ستاراً عن حادثة جديدة لم تكن ذات أهمية في الظاهر ، ولكنها كانت إرهاصاً لبداية فصل جديد من حياته : « إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ » .
يقول ابن عباس : إنّ يوسف رأى رؤياه ليلة الجمعة التي صادفت ليلة القدر ( ليلة تعيين الأقدار والآجال ) .
مختصر الامثل — صفحة 439
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٣٩