تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
مثله ، واستعينوا في ذلك بمن شئتم غير اللَّه ، ولكنكم لا تستطيعون فعل ذلك أبداً ، وبهذا الدليل يثبت أنّ القرآن من وحي السماء « أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَيهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . إنّ هذه الآيات من جملة الآيات التي تبيّن إعجاز القرآن بصراحة ، لا إعجاز كل القرآن فحسب ، بل حتى إعجاز السورة الواحدة ، وقد خاطبت كل العالمين - بدون استثناء - بأنّكم إن كنتم معتقدين بأنّ هذه الآيات ليست من اللَّه فأتوا بمثله ، أو بسورة منه على الأقل . وفي الآية التالية إشارة إلى واحدة من العلل الأساسية لمخالفة المشركين ، فتقول : إنّ هؤلاء لم ينكروا القرآن بسبب الإشكالات والإيرادات ، بل إنّ تكذيبهم وإنكارهم إنّما كان بسبب عدم اطلاعهم وعلمهم به : « بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ » . في الحقيقة لم يكن لهؤلاء أيّ دليل على نفي المبدأ والمعاد ، وكان الجهل والتخلف الناشئ من الخرافات والتعود على مذهب الأجداد هو السد الوحيد في طريقهم . أو الجهل بأسرار الأحكام . أو الجهل بمفهوم بعض الآيات المتشابهة . أو الجهل بمعنى الحروف المقطعة . أو الجهل بالدروس والعبر التي هي الهدف النهائي من ذكر تاريخ الماضين . إنّ مجموع هذه الجهالات والضلالات كانت تحملهم على الإنكار والتكذيب ، في حين أنّ تأويل وتفسير وتحقق المسائل المجهولة بالنسبة لهؤلاء لم يبيّن بعد « وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ » . « التأويل » : في أصل اللغة بمعنى إرجاع الشيء وعلى هذا فإنّ كل عمل أو قول يصل إلى هدفه النهائي نقول عنه : إنّ تأويله قد حان وقته . ثم يضيف القرآن مبيناً أن هذا المنهج الزائف لا ينحصر بمشركي عصر الجاهلية ، بل إنّ الأقوام السابقين كانوا مبتلين أيضاً بهذه المسألة ، فإنّهم كانوا يكذبون الحقائق وينكرونها دون السعي لمعرفة الواقع ، أو انتظار تحققه : « كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ » . في حين أنّ العقل والمنطق يحكمان بأنّه لا ينبغي للانسان انكار ما يجهله مطلقاً ، بل يبدأ بالبحث والتحقيق . وفي النهاية وجهت الآية الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالت : « فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ » . أي إنّ هؤلاء سيلاقون أيضاً نفس المصير .