وتقول آخر آية في بيان العلة في عدم اتباع هؤلاء للحق رغم وضوح الأمر وظهور الحق :
« كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَايُؤْمِنُونَ » . وفي الواقع فإنّ هذه خاصية الأعمال السيئة المستمرة لهؤلاء بحيث تُظلم قلوبهم وتلوث أرواحهم إلى درجة لا يرون معها الحق رغم وضوحه وتجلّيه ، ويسلكون نتيجة لذلك طريق الضلال .
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 34 ) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 35 ) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 36 ) واحدة من علامات الحق والباطل : تعقب هذه الآيات أيضاً الاستدلالات المرتبطة بالمبدأ والمعاد ، وتأمر الآية الأولى النبي صلى الله عليه وآله أن « قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » . ثمّ تضيف : « قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » . ولماذا تصرفون وجوهكم عن الحق وتتجهون نحو الضلال ؟
ثم تأمر الآية الأخرى النبي صلى الله عليه وآله مرّة أخرى : « قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِى إِلَى الْحَقّ » .
لأنّ المعبود يجب أن يكون هادياً ومرشداً لعباده ، خاصة وأنّها هداية نحو الحق ، في حين أنّ آلهة المشركين ، أعم من الجمادات أو الأحياء ، غير قادرة أن تهدي أحداً إلى الحق بدون الهداية الإلهية ، لأنّ الهداية إلى الحق تحتاج إلى منزلة العصمة والصيانة من الخطأ والاشتباه ، وهذا لا يمكن من دون هداية اللَّه سبحانه وتسديده ، ولذلك فإنّها تضيف مباشرة : « قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ » . وإذا كان الحال كذلك « أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّايَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى » .
وتقول الآية في النهاية بلهجة التوبيخ والتقريع والملامة : « فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » .
وفي آخر آية إشارة إلى المصدر الأساس والعامل الأصل لهذه الانحرافات وهو الأوهام والظنون « وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيًا » .
وفي النهاية تخاطب الآية - بأسلوب التهديد - مثل هؤلاء الأفراد الذين لا يتبعون أي منطق سليم وتقول : « إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 343
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٤٣