تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
ثم تشير الآية إلى حاستين من أهم حواس الإنسان ، واللتان لا يمكن كسب العلم وتحصيله بدونهما ، فقالت : « أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ » . فإنّ هذه الآية أشارت إلى النعم المادية أوّلًا ، ثمّ إلى المواهب والأرزاق المعنوية التي تصبح النعم المادية بدونها فاقدة للهدف والمحتوى . ثم تطرقت الآية إلى ظاهرتي الموت والحياة اللتين هما أعجب ظواهر عالم الخلقة ، فتقول : « وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ مِنَ الْحَىّ » . وهذا هو نفس الموضوع الذي حيّر عقول علماء الطبيعة وعلماء الاحياء ، وهو كيف أتى الموجود الحي إلى الوجود من موجود ميت ؟ هذه الآية تشمل الموت والحياة المعنويين إضافة إلى الموت والحياة الماديين ، لأنّنا نرى أناساً عقلاء طاهرين ورعين مؤمنين يولدون أحياناً من أبوين ملوثين منحرفين لا إيمان لهما ، ويلاحظ أيضاً عكس ذلك . ثم تضيف الآية : « وَمَن يُدَبّرُ الْأَمْرَ » . والكلام في الواقع بدأ عن خلق المواهب ، ثم عن حافظها وحارسها ومدبرها ، وبعد أن يطرح القرآن الكريم هذه الأسئلة الثلاثة يقول مباشرة بأنّ هؤلاء سيجيبون بسرعة : « فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ » . يستفاد من هذه الجملة جيداً أنّه حتى مشركي وعبدة الأصنام في الجاهلية كانوا يعلمون أنّ الخالق والرازق والمحيي ومدبر أمور عالم الوجود هو اللَّه سبحانه . وفي آخر الآية يأمر اللَّه نبيّه : « فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ » . وبعد أن عرضت الآية السابقة نماذج من آثار عظمة وتدبير اللَّه في السماء والأرض ، وأيقظت وجدان وعقل المخالفين ودعتهم للحكم في أمر الخالق ، واعترف هؤلاء بذلك ، خاطبتهم الآية التالية بلهجة قاطعة وقالت : « فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ » . لا الأصنام ، ولا سائر الموجودات التي جعلتموها شريكة للباري عزّ وجل ، والتي تسجدون أمامها وتعظمونها . ثم تنتهي إلى ذكر النتيجة : « فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقّ إِلَّا الْضَّللُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ » . وأنّى تولوا وجوهكم عن عبادة اللَّه وأنتم تعلمون ألّا خالق ولا معبود حقّاً سواه ؟ إنّ هذه الآية تطرح طريقاً منطقياً واضحاً لمعرفة الباطل وتركه ، وهو أن يخطو الإنسان أوّلًا في سبيل معرفة الحق بآليات الوجدان والعقل ، فإذا عرف الحق فإنّ كل ما خالفه باطل وضلال ، ويجب أن يضرب عرض الحائط .