تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وهناك فئة ثانية يشخصون بأبصارهم إليك ، وينظرون إلى أعمالك المتضمنة أحقيتك وصدق قولك ، إلّاأنّهم عمي لا يبصرون : « وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا لَايُبْصِرُونَ » . ولكن إعلم وليعلم هؤلاء أنّ قصور الفكر هذا ، وعدم البصيرة والعمى عن رؤية وجه الحق ، والصمم عن سماع كلام اللَّه ليس شيئاً ذاتياً لهم نشؤوا عليه منذ ولادتهم ، وإنّ اللَّه تعالى قد ظلمهم ، بل إنّهم هم الذين ظلموا أنفسهم بأعمالهم السيئة وعدائهم وعصيانهم للحق ، وعطلوا بذلك عين بصيرتهم وأذن أفئدتهم عن سماع الحق وإتّباعه ، ف « إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيًا وَلكِنَّ النَّاسُ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ( 46 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 47 ) بعد بيان بعض صفات المشركين في الآيات السابقة ، أشير هنا إلى وضعهم المؤلم في القيامة . تقول الآية : « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ » . الاحساس بقلة مقدار الإقامة في دار الدنيا وقصره ، إمّا لأنّه بالنسبة للحياة الأخروية لا يبلغ سوى ساعة واحدة ، أو لأنّ هذه الدنيا الفانية انقضت بسرعة بحيث كأنّها لم تكن أكثر من ساعة ، أو لأنّهم لما لم يستفيدوا من عمرهم الاستفادة الصحيحة ، فيتصورون أنّها لا تساوي أكثر من قيمة ساعة . يستفاد من الآيتان ( 55 و 56 ) من سورة الروم ، أنّ مجموعة من المجرمين يُقسمون في القيامة أنّ فترة برزخهم لم تكن أكثر من ساعة ، إلّاأنّ المؤمنين يقولون لهم : إنّ المدّة كانت طويلة ، والآن قد قامت القيامة وأنتم لا تعلمون ، ونحن نعلم أن البرزخ ليس متساوياً بالنسبة للجميع ، وسنذكر تفصيل ذلك في ذيل الآيات المناسبة . ثم تضيف الآية أنّه سيثبت لكل هؤلاء في ذلك اليوم : « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ
مختصر الامثل — صفحة 347 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي