تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
هو حال المنافقين في كل عصر وزمن ، إلّاأنّ القرآن حذّرهم من مغبة أعمالهم فقال : « فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا » . نعم ، ليبكوا على مستقبلهم المظلم : ليبكوا على العذاب الأليم الذي ينتظرهم : ليبكوا على أنّهم أغلقوا كل أبواب العودة بوجوههم ، وأخيراً ليبكوا على ما أنفقوا من قوتهم وقدراتهم وعمرهم الثمين ، واشتروا به الخزي والفضيحة وسوء العاقبة وتعاسة الحظ . وفي نهاية الآية يبين اللَّه تعالى أنّ هذه العاقبة التي تنتظرهم هي « جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - إشارة إلى طريقة أخرى دقيقة وخطرة من طرق المنافقين ، وهي أنّهم حينما يرتكبون ما يخالف القانون الإسلامي ، فإنّهم يُظهرون أعمالًا يحاولون بها جبران ما صدر منهم ، ومحاولة تبرئة ساحتهم مما يستحقون من العقوبة ، وبهذه الأعمال المناقضة لأعمالهم المخالفة للقانون فإنّهم يخفون وجوههم الحقيقية ، أو يسعون إلى ذلك . إنّ الآية الكريمة تقول : « فإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا » . أي إنّ النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يزرع اليأس في نفوس هؤلاء ، ويُعلمهم أن هذا التلون سوف لا ينطلي على أحد ، ولن يُخدع بهم أحد . جملة « طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ » توحي أنّ هؤلاء المنافقين لم يكونوا بأجمعهم يمتلكون الشجاعة حتى يحضروا ويطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله السماح لهم في الخروج إلى الجهاد . ثم تبين الآية أنّ سبب عدم قبول اقتراح هؤلاء وطلبهم ب « إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ » . وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ( 84 ) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( 85 ) بعد أن أزاح المنافقون الستار عن عدم مشاركتهم في ميدان القتال ، وعلم الناس تخلفهم الصريح ، وفشا سرّهم ، أمر اللَّه سبحانه وتعالى نبيّه بأن يتبع أسلوباً أشدّ وأكثر صراحة ليقتلع وإلى الأبد - جذور النفاق والأفكار الشيطانية ، وليعلم المنافقون بأنّهم لا محل لهم في المجتمع الإسلامي ، وكخطوة عملية في مجال تطبيق هذا الأسلوب الجديد ، صدر الأمر الإلهي « وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ » .