تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
التّفسير خبث المنافقين : في هذه الآيات إشارة إلى صفة أخرى من الصفات العامة للمنافقين ، وهي أنّهم أشخاص لجوجون معاندون وهمهم التماس نقاط ضعف في أعمال الآخرين واحتقار كل عمل مفيد يخدم المجتمع ومحاولة إجهاضه بأساليب شيطانية خبيثة من أجل صرف الناس عن عمل الخير . لكن القرآن المجيد ذم هذه الطريقة غير الإنسانية التي يتبعها هؤلاء ، وعرّفها للمسلمين لكي لا يقعوا في حبائل مكر المنافقين ومن ناحية أخرى أراد أن يفهم المنافقون أنّ سهمهم لا يصيب الهدف في المجتمع الإسلامي . ففي البداية يقول : إنّ هؤلاء « الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَايَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . والمراد من جملة : « سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ » أنّ اللَّه سبحانه تعالى سيجازيهم على ما عملوا من الأعمال السيئة ، أو أنّه تعالى سيحقرهم كما حقروا عباده وسخروا منهم . ونلاحظ في الآية التي تليها تأكيداً أشد على مجازاة هؤلاء المنافقين ، وتذكر آخر تهديد بتوجيه الكلام وتحويله من الغيبة إلى الخطاب ، والمخاطب هذه المرّة هو النبي صلى الله عليه وآله فقالت : « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » . وإنّما لن يغفر اللَّه لهم لأنّهم قد أنكروا اللَّه ورسالة رسوله ، واختاروا طريق الكفر ، وهذا الاختيار هو الذي أرداهم في هاوية النفاق وعواقبه المشؤومة « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » . ومن الواضح أنّ هداية اللَّه تشمل السائرون في طريق الحق وطلب الحقيقة ، أمّا الفساق والمجرمون والمنافقون فإنّ الآية تقول : « وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ » . إنّ نوع العمل هو المهم لا مقداره ، وهذه الحقيقة في القرآن واضحة جلية ، فالإسلام لم يستند في أيّ مورد إلى كثرة العمل ومقداره ، بل هو يؤكّد دائماً - وفي كل الموارد - على أنّ الأساس هو نوع العمل وكيفيته . المهم أنّ كل فرد يجب أن يبذل ما يستطيع ، ولا يلتفت إلى مقدار عطائه ، فليس المعيار كثرة العطاء وقلّته ، بل الإحساس بالمسؤولية والإخلاص في العمل . ومن هذه الواقعة تتّضح حقيقة أخرى ، وهي أنّ المسلمين في المجتمع الإسلامي الواقعي السالم يجب أن يحسّوا جميعاً بالمسؤولية تجاه المشاكل التي تعترض المجتمع وتظهر فيه ، ولا يجب أن ينتظروا الأغنياء والمتمكنين يقوموا وحدهم بحل هذه المشاكل والمصاعب ، بل
مختصر الامثل — صفحة 293 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي