ويستفاد بوضوح من هذه الآية أنّ « الإيمان » و « الجهاد » إذا اتحدا في شخص ، فسيصحبهما كل خير وبركة ، ولا سبيل إلى الفلاح والإخلاص ، أو إلى شيء من الخيرات والبركات المادية والمعنوية إلّافي ظل هذين العامَليْن .
وفي آخر آية من الآيات التي نبحثها إشارة إلى قسم من الجزاء الأخروي المعد لهؤلاء المؤمنين ، فهي تبشرهم بأنّهم قد « أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ » وتوكّد لهم بأنّ هذه المواهب والنعم سوف لا تفنى ولا تنفد ، بل سيبقون « خَالِدِينَ فِيهَا » ، ثمّ تبيّن أنّ « ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 90 ) في هذه الآية - ولمناسبة البحث هنا للأبحاث السابقة حول المنافقين الذين يتعذرون بكل عذر ويتمسكون بأتفه الحجج - إشارة إلى وضع وواقع مجموعتين من المتخلفين عن الجهاد . ففي البداية تقول الآية أنّ هؤلاء الأعراب رغم أنّهم كانوا معذورين في عدم الاشتراك في الجهاد ، فإنّهم حضروا بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وطلبوا منه أن يأذن لهم في الجهاد :
« وَجَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ » . وفي مقابل ذلك فإنّ الفئة الأخرى التي كذبت على اللَّه ورسوله قد تخلف أفرادها دون أي عذر ، « وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ » .
وفي النهاية هددت الآية المجموعة الثانية تهديداً شديداً وأنذرتهم بأنّه « سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٍ » .
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَنْ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ( 92 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 93 )
مختصر الامثل — صفحة 298
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٨