مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ » غير أنّ عملهم هذا ومخالفتهم للعهود التي قطعوها على أنفسهم بذرت روح النفاق في قلوبهم وسيبقى إلى يوم القيامة متمكناً منهم « فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ » وإنّما استحقوا هذه العاقبة السيئة غير المحمودة « بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ » . وفي النهاية وبّخت الآية هؤلاء النفر ولامتهم على النوايا السيئة التي يضمرونها ، وعلى انحرافهم عن الصراط المستقيم ، واستفهمت بأنّهم : « أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَيهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلمُ الْغُيُوبِ » .
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( 80 )
سبب النّزول
وردت عدّة روايات في سبب نزول هذه الآيات في كتب التفسير والحديث ، يستفاد من مجموعها أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان قد صمّم على إعداد جيش المسلمين لمقابلة العدو - وربّما كان ذلك في تبوك - وكان محتاجاً لمعونة الناس في هذا الأمر ، فلما أخبرهم بذلك سارع الأغنياء إلى بذل الكثير من أموالهم ، سواء كان هذا البذل من باب الزكاة أو الإنفاق ، ووضعوا هذه الأموال تحت تصرف النبي صلى الله عليه وآله .
أمّا الفقراء ، فقد عمدوا إلى مضاعفة عملهم ، واستقاء الماء ليلًا ، فحصلوا على صاعين من التمر ، وشاركوا بهذا الشيء اليسير - الذي لا قيمة له ظاهراً - في هذا المشروع الإسلامي الكبير . غير أنّ المنافقين الذين لا همّ لهم إلّاتتبع ما يمكن التشهير به بدلًا من التفكير بالمساهمة الجدية فإنّهم عابوا كلا الفريقين ، أمّا الأغنياء فاتهموهم بأنّهم إنّما ينفقون رياءً وسمعة ، وأمّا الفقراء الذين لا يستطيعون إلّاجهدهم ، والذين قدموا اليسير وهو عند اللَّه كثير ، فإنّهم سخروا منهم بأنّ جيش الإسلام هل يحتاج إلى هذا المقدار اليسير ؟ فنزلت هذه الآيات ، وهددتهم تهديداً شديداً وحذرتهم من عذاب اللَّه .
مختصر الامثل — صفحة 292
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٢