إنّ هذا الأسلوب - في الواقع - هو نوع من الكفاح السلبي الفاعل في مواجهة المنافقين .
إنّ هذا البرنامج والأسلوب الدقيق كان قد أعد لمقابلة منافقي ذلك العصر ، ويجب أن يستفيد المسلمون من هذه الأساليب . وفي آخر الآية يتّضح سبب هذا الأمر الإلهي ب « إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » ورغم ذلك فإنّهم لم يفكروا بالتوبة ولم يندموا على أفعالهم ليغسلوها بالتوبة ، بل إنّهم بقوا على أفعالهم « وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ » .
وهنا يمكن أن يسأل أحدكم : إنّ المنافقين إذا كانوا - حقيقة - بهذا البعد عن رحمة اللَّه ، وعلى المسلمين أن لا يُظهروا أي ود أو محبّة تجاههم ، فلماذا فضّلهم اللَّه تعالى ومنحهم كل هذه القوى الاقتصادية من الأموال والأولاد ؟
في الآية الأخرى يوجه اللَّه سبحانه وتعالى الخطاب إلى النبي : « وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلدُهُمْ » . فإنّها ليست منحة ومحبّة من اللَّه تعالى لهؤلاء المنافقين ، بل على العكس تماماً ، فإنّ هذه الأموال والأولاد ليست لسعادتهم ، بل « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذّبَهُم بِهَا فِى الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ » .
إنّ هذه الآية تشير إلى حقيقة وهي أنّ هذه الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والقوى الإنسانية للأشخاص الفاسدين ليست غير نافعة لهم فحسب ، بل هي - غالباً - سبب لإبتلائهم وتعاستهم ، لأنّ أشخاصاً كهؤلاء لا هم يصرفون أموالهم في مواردها الصحيحة ليستفيدوا منها الفائدة البناءة ، ولا يتمتعون بأبناء صالحين كي يكونوا قرة عين لهم ومعتمدهم في حياتهم . بل إنّ أموالهم تصرف غالباً في طريق الشهوات والمعاصي ونشر الفساد وتحكيم أعمدة الظلم والطغيان ، وهي السبب في غفلتهم عن اللَّه سبحانه وتعالى ، وكذلك أولادهم في خدمة الظلمة والفاسدين ، ومبتلين بمختلف الانحرافات الأخلاقية ، وبذلك سيكونون سبباً في تراكم البلايا والمصائب .
غاية الأمر إنّ الذين يظنون أنّ الأصل في سعادة الإنسان هو الثروة والقوة البشرية فقط ، أمّا كيفية صرف هذه الثروة والقوة فليس بذلك الأمر المهم ، تكون لوحة حياتهم مفرحة ومبهجة ظاهراً ، إلّاأنّنا لو اقتربنا منها واطلعنا على دقائقها ، وعلمنا أنّ الأساس في سعادة الإنسان هو كيفية الاستفادة من هذه الإمكانيات والقدرات لعلمنا أنّ هؤلاء ليسوا سعداء مطلقاً .
مختصر الامثل — صفحة 296
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٦