كان يأكل ويشرب وينام ويتقلب بين الناس كسائر الناس ، واللّه سبحانه منّزه عن الحاجة لشيء وهو بريء من كل الصفات التي تجعل منه حادثا وهو ليس بحادث ولا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان . .
وإن قيل : إن تشبيه عيسى بآدم ليس على ما ينبغي لأن آدم خلق من تراب ومن غير أب وأم ، وعيسى ولد من أم بلا أب . فالجواب أن التشبيه جاء من ناحية إيجاده بغير أب ، وأن التشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه كما في قولنا : زيد أسد ، كما لا يخفى على ذوي الفهم .
60 -
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . .
أي ما ذكر من قضايا عيسى هو الحق من عند ربك
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
أي المرتابين ، ولا يخطر في بالك ريب ولا شك . ونهيه صلى اللّه عليه وآله هنا هو من باب التثبيت وزيادة اليقين ، على أن مخاطبة اللّه تعالى لأنبيائه - نهيا كانت أو فرضا - هي من باب التذكير لزيادة الانتفاع من جهة ، ولأنها لا أقلّ من أن تفتح لكل نبي بحسب مقامه بابا من أبواب الحكمة والتشريع في الأحكام ، والفقه في الأمور . وقد قال تعالى :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
. فالعلة في ذلك هي التذكير المفيد من اللّه لنبيه أو من الأنبياء لأوليائهم والمؤمنين بهم . نعم لقائل أن يقول بأن العلة ليس فيها عموم فإنها مقيدة بالمؤمنين ، ومرتبة الأيمان منصرفة عن الأنبياء والرّسل لعلوّ منازل إيمانهم . فتذكير الأنبياء خارج هنا . والجواب أن الصرف أساسا لا يعبأ به لأن الأنبياء هم أجلى مصداق وأعلى فرد في مجال الإيمان ، لأن أول مؤمن في كل شريعة هو النبي الذي بعث بتلك الشريعة ليطبقها على نفسه وعلى غيره من الناس بلا شك منه البتة . وإن لم يكن كذلك لزم من عدمه عدمه . . غاية الأمر أن الانتفاع مقول بالتشكيك ، فانتفاع الأنبياء من تذكير اللّه نوعا ، هو غير انتفاع علماء الأمة من تذكير أنبيائهم ، وغير انتفاع عامة الناس أو جهلتهم من تذكير العلماء ، وإنما يؤجر العامل على قدر معرفته . . والحاصل أن إطلاق لفظة المؤمن على الأنبياء والرسل لا مانع منه ولا شك فيه ، لأن اللّه تعالى عدهم من