تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
منذ أول مرحلة من مراحل المخاطبة . فإن تقديم ما من شأنه التأخير لا بدّ له من جهة . ومن المعلوم أن الرفع في خصوص المقام لا بدّ أن يكون مقدّما على التوفّي عند الأجل المسمّى حسب ما قد قدّر من رفع عيسى إلى السماء حيّا ، رغما عن الكفرة من اليهود الذين أرادوا قتله ، وإظهارا لخيرية مكر اللّه عزّ وجل ، فالرفع مقدّم على التوفّي بحسب الواقع . وأما الإخبار الظاهر فقد اتّبعت فيه طريقة حصول الاطمئنان لنبيّه في أول أزمنة الإمكان كما قدّمنا ، فإن التوفّي بيده تعالى ملازم لعدم قدرتهم على قتله ، والحاصل أن التقديم بشارة لعيسى ( ع ) وأنه إنما تقبض روحه بالوفاة لا بالقتل . وهذا مما يعدّ من محاسن الكلام وبليغه . فقد أخبره سبحانه بذلك ، وبشرّه ، وقال له : إني فاعل ذلك بك
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
والتطهير هو تجنيب الشيء عن الدنس ، وتطهير الشيء من الشيء إبعاده منه . فقوله تعالى : مطهّرك ، أي مبعدك عنهم ومجنّبك منهم . وهذا من نتيجة رفعه من بين ظهرانيهم إلى السماء . ومن محصّل ذلك ولوازمه ، أني مخلّصك من مكرهم
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
أي أنه قضى سبحانه أن يكون متّبعوه أعلى من كفرة بني إسرائيل ، يعلونهم بالحجة وبالسيف ، وباستذلالهم وكونهم أدنى منهم في الدنيا ، أما في الآخرة فيمتازون عنهم بالدرجات الرفيعة والنعيم العظيم ، بينما يكون الكفرة في الدرك الأسفل من الجحيم أبد الآبدين . والذين اتّبعوه هم الذين صدّقوه وآمنوا به وعملوا بشريعته ولم ينحرفوا ولا حرّفوا شيئا من قوله .
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
والخطاب لعيسى ( ع ) ومن تبعه ومن كفر به على التغليب ، فإن الكل يحشرون إليه سبحانه يوم القيامة ، أي للمثول بين يدي قدرته لتجزى كل نفس بما عملت من خير أو من سوء
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
وأقضي بالحق يومئذ
فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من التوحيد والإيمان بي وبرسولي وبشريعة الحق . 56 -
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . .
أي بعد تمييزهم من المؤمنين