كفرهم وإنكارهم له ولدعوته عن طريق الحواس لا عن طريق الوحي ، وعلم أنهم مصرّون على العناد ومصمّمون على قتله أيضا مع إظهاره الآيات الباهرات والمعجزات الخارقة . وعرف بإحساسه أن الكفر والإصرار ومحاولة القتل من بعض اليهود لا من الكل بدليل لفظة : من ، في قوله : منهم ، أقول : لمّا انكشفت له نواياهم امتحن البعض الآخر منهم بالسؤال ليتعرّف على ما يضمرون في نفوسهم وعلى مبلغ اعتقادهم فيه ومدى نصرتهم له
قالَ : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
أي من هم أعواني على صدّ هؤلاء الكفرة تقربا للّه سبحانه ودفاعا عن رسوله وعن دينه ؟
ومما يمكن أن يسأل هنا ويقال : إن عيسى عليه السلام بعث للوعظ وتربية الأخلاق ، فلم كان هذا الاستنصار منه ، والاستنصار يكون للحرب ؟
والجواب أن الموعظة والنّصح والإصلاح كلها تتوقف على عدم الموانع . ومع وجود هؤلاء الجحدة الكفرة المانعين عن بيان الحق والحقيقة لا يمكن الوعظ ولا الإرشاد . مضافا إلى أنهم كانوا عازمين على قتله إذا بقي ماضيا في دعوته ، فلا بدّ من طلب النّصرة لدفع تلك الموانع ولحفظ حياته وحتى يتمكن من نشر دعوته وإقامة حججه ، بل ليميّز المؤمن الموافق من المخالف الكافر . فحين استنصر المؤمنين به
قالَ الْحَوارِيُّونَ
وحواريّ الرجل هم خاصته وخالصته وصفوته من بين أصحابه . وكان حواريّو عيسى عليه السلام اثنى عشر رجلا سمّوا بذلك لأنهم كانوا من خلّص صحبه . فهؤلاء قالوا :
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
أي أنصار دينه وأعوان نبيّه على أعدائه ، والمساعدون في الدعوة إلى الإيمان به والجهاد في سبيل الحق
آمَنَّا بِاللَّهِ
أي صدّقنا به وبرسوله ، فاسمع يا نبيّ اللّه اعترافنا بذلك
وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
وقد استشهدوه لأن الرّسل يشهدون يوم القيامة للمؤمنين بهم من قومهم ، كما أنهم يشهدون على الكافرين منهم .
53 -
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ . .
أي صدّقنا بما أوحيت من عزائم أمرك على عيسى عليه السلام
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
وأطعناه وقلّدناه فيما أمرنا به من عندك
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
أي اجعلنا بتأييدك وتوفيقك لنا