تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
الجليلة من اللّه بعيسى حين قال له ربّه : ( لا تخف يا عيسى من مناوأة الكفّار ) ولا من كيدهم : و
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
. وجملة الكلام في المقام أن بني إسرائيل من بعد موسى قد خرج أكثرهم من الدين وطال عليهم أمد الفترة ، فمنّ اللّه عليهم إذ بعث منهم نبيا هو عيسى عليه السلام . فجاء إلى بيت المقدس يدعوهم إلى كتابه - الإنجيل - ويحمل مواريث النبوّة ويؤيّده اللّه بالمعاجز العجيبة فأبى جلّهم إلّا الكفر والطغيان ، فثابر على دعوتهم إلى الحق ، وما فتئ يبشّر وينذر ، ويعد ويخوّف مدة ثلاث وثلاثين سنة على ما في الإكمال ، ولكنهم أبوا وخاصموه وحادّوه وطلبوه أخيرا ليقتلوه ، فرفعه اللّه إليه كما نصّ ، وقال : إني متوفيك ورافعك إليّ : أي أني متوفّيك عند أجلك المسمّى ، فلا تخف من توعدّهم بالقتل . ثم لم يقتصر سبحانه على قوله : إني متوفيك ، لأن التوفّي تكون له أسباب كثيرة كالقتل الذي يصح أن يقال فيه : إن اللّه أمات المقتول وقبض روحه وتوفّاه إليه ، فإنه تعالى يتوفّى الأنفس حين موتها وخروج الأرواح ولو كان ذلك بواسطة عزرائيل عليه السلام الموكّل بذلك . فلرفع شبهة القتل عن عيسى ( ع ) من أجل توفّيه ، قال سبحانه : ورافعك إلى محل كرامتي ومقرّ ملائكتي فلا يتمكنّون منك ولا تصل أيديهم إليك ، فاطمأنّ عيسى ( ع ) وأدرك أن الكفرة لا يستطيعون قتله ، وكان الأمر كما أدرك من قوله ربه . أمّا قوله سبحانه : إليّ ، وهو لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان ، فهو تكريم لعيسى وتفخيم لغاية رفعه من الأرض التي فيها الكفرة والمنافقون إلى السماء المختصة بالملائكة المسبّحين المقدّسين . أي أني رافعك إلى مكان كرامتي وأمني . وهذا ما كنّى به سبحانه برفعه إليه . والواو ، في : ورافعك ، ليست للترتيب حتى يظن أن الرفع يكون بعد التوفّي ، بل لمطلق الجمع كما تقول : جاءني زيد وبكر ، أي جاءا معا . فلا مورد للسؤال أنه كيف قال : متوفيك ورافعك إليّ واللّه ورفعه وما توفّاه . . وأمّا وجه تقديم التوفّي فقد كان لجلب الاطمئنان إلى نفس عيسى بأنه لا يقتل