تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
39 -
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ . . .
أي ندم على سرقته وظلمه لنفسه ولغيره ، وأصلح ببراءة ذمته وردّ ما سرقه إلى صاحبه ، وبإبعاد نفسه عن تلك التبعات والمهانات والهتك والضرب ونحوها من لوازم السرقة . فمن فعل ذلك وأقلع عن السرقة بإخلاص
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ
أي يقبل توبته . وكل ذلك قبل إرجاع أمره إلى الحاكم بحسب مذهبنا . أما إذا تاب بعد الرجوع إلى الحاكم وبعد إثبات السرقة ، فلا بد من إجراء الحكم عليه . وإذا كانت التوبة عن ندامة حقيقية فإن العقاب من اللّه مرتفع تفضلا منه وكرما . أما إذا كانت بباعث الخوف من القطع والمهانة والهتك فلا تفيد مطلقا سواء صدرت قبل وقوعه في يد الحاكم أو بعده ، وهي - هكذا - لا تسقط الحد ولا العذاب . . أما عند غيرنا فالحد لا يرتفع سواء أتاب قبل رفع أمره إلى الحاكم أمر بعده . نعم ، قليل منهم يوافقنا في الفرق الذي اخترناه في أعلاه . .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
كثير الغفران والتجاوز عن السيئات ، عظيم الرحمة واللطف ، ستار الذنوب ، والرحمة هي رقة القلب والانعطاف الذي يقتضي الإحسان . . وبمقتضى جرأة السارق ينبغي أن لا يتوب اللّه سبحانه عليه ، ولكن غفرانه للذنوب ، ورحمته للعباد يمنعان اليأس عن بابه الكريم ، ولا يعيدان التائب خائبا من عفوه جلّ وعلا . ويمكن أن يقال : إنه يستفاد من الآية أن تلك الرحمة الواسعة والمغفرة الشاملة ، تشملان السّراق التائبين مطلقا سواء رفع أمرهم إلى الحاكم أم لا ، غاية الأمر أن رفع أمر السرقة إلى الإمام يحفظ حقوق الناس وتعاد السرقة من السارق ، وتبقى حقوق اللّه تعالى التي أمرها بيده يفعل بها ما يشاء إذا ثبتت التوبة بالإقرار الصادق وبالشهادة ونحوهما من القرائن المثبتة لها ، واللّه هو وحده العالم الحاكم . . وقبل طيّ هذا الموضوع لا بد من أمور تقتضي البيان كشرط قطع يد السارق الذي لا يكون في أقل من ربع دينار كما قلنا . والدينار مثقال شرعي من الذهب الخالص المسكوك وهو يعادل ثماني عشرة حمّصة من الحمّص