يبصرون ، لعله إشارة إلى أن هؤلاء المنافقين أسوأ حالا من البهائم والحشرات ولأن بعضها يبصر في ظلمات اللّيل ، فابتلاؤهم بظلمة النّفاق في الدنيا أعمى أبصارهم في الدنيا والآخرة .
18 -
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
: صمّ طرش عن سماع الحق ، بكم : عييوّن عن النّطق به ، عمي : مكفوفو البصر عن رؤيته . وقد حمل الأصحاب الآية على الآخرة . والحال أنه خلاف الظاهر ، لأن قوله تعالى :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
، في مقام الذّم إذ يدلّ على أنّهم مكلّفون بالرجوع عن الضلالة إلى الهدى ، وحيث لم يرجعوا ذمّهم اللّه . فالآخرة ليست بدار تكليف ، ولا يناسبهم فيها الذّم بعدم الرجوع . فالآية تصف حالهم في الدنيا ظاهرا ، واللّه تعالى أعلم بما قال . نعم لما كانوا في الدنيا هكذا فسيحشرون على تلك الأوصاف يوم القيامة . قال سبحانه :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا . .
19 -
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
« 1 » . . . عطف على
الَّذِي اسْتَوْقَدَ
. أي كمثل ذوي صيّب ، لقوله :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ
. و ( أو ) للإجابة . والمعنى أن قصة المنافقين مشبهة لكلّ من هاتين القصتين . فلك التمثيل بهما أو بواحدة منهما .
والصيّب المطر الذي يصوب أي ينزل بشدة ، ويقال : السحاب مطلقا ، وكلاهما محتملان هنا . والتنكير للتهويل ، لأن المراد به هنا نوع خاص من المطر
هامش
( 1 ) ذكر بعض أرباب التفاسير في كتبهم بشأن نزول هذه الآية الشريفة ، ما نقله عبد اللّه بن مسعود من أنّ نفرين منافقين خرجا من المدينة في عصر النبيّ صلوات اللّه عليه فرارا ، فابتليا ليلا في البادية بالمطر الشديد والرعد والبرق المتوالي الكثير . بحيث كادا أن يموتا من أهوال الظلمات وأصوات الرعد الهائلة ، وخوف الصواعق المحرقة . فكانا يجعلان أصابعها في آذانهما . فلما لمع البرق مشيا ، ولما خمد ابتليا بالظلمة فوقفا متحيرين ولم يدريا ما يفعلان . فقال أحدهما : يا ليت نخلص هذه الليلة فنرجع إلى المدينة ونتشرف بخدمة النبيّ ونتوب . فلما أصبح الصباح جاء إلى خدمة الرسول ( ص ) وأسلما إسلاما حقيقيّا وصارا من المؤمنين . وقد شبه المنافقون بهذين النفرين في أول حالتهما .