الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
وهذا بيان لختام الصوم بعد بيان بدئه . فقد جعل انتهاء رخصه في الأكل والشرب ومباشرة النساء وكلّ ما ينافي الصوم الفجر الثاني الصادق ، فليلزمه الإمساك عزيمة من ذلك الوقت كبدء للصوم . أما ختام الصوم فهو أول الليل ، أي الغروب الشرعي « 1 » . فالآية الشريفة تنفي الوصال وصوم السكوت ونحوهما من الصيام الذي لم يثبت بدليل عندنا .
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
قيل إن المراد بالمباشرة هنا الجماع ، وقيل هو ما دونه من الاستمتاعات . ونحن مع ظاهر الآية وهو القول الأول إذ لا يستفاد العموم منه . نعم لو قال سبحانه :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ
إلخ . . لكان ذلك يؤيّد القول الثاني . أمّا الاعتكاف فهو حبس الإنسان نفسه في المسجد للعبادة مع الشرائط الأخر المذكورة في الكتب الفقهية . وأما مساجد الاعتكاف فقد قال عنها بعض الأعلام من مفسّرينا : هي المساجد الأربعة : المسجد الحرام ، ومسجد النبي ( ص ) ومسجد الكوفة ومسجد البصرة ، ونسب القول إلى علماء الشيعة بقوله : عندنا ، مع أنه لم يثبت الانحصار ، وقيل : يجوز الاعتكاف في كل مسجد جامع للبلد وقيل بجوازه في كل مسجد إطلاقا ، وكذا اختلف في عدد أيامه . والحقّ أنه ثلاثة أيام بلياليها . ثم اختلف في كونه مشروطا بالصوم أم لا ، والحقّ أنه مشروط به
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
أي أحكامه التي ذكرت . ولمّا كانت الأحكام في هذه الآية الكريمة أكثرها منهيّات ، لذا سمّيت حدودا ونهي عن القرب منها لأنه يوشك الوقوع فيها . وحدود اللّه هي حرمات اللّه ومناهيه
فَلا تَقْرَبُوها
بمخالفتها .
والنهي عن قربها مبالغة في وجوب عدم التعدي وتجاوزها ، فإن لكل ملك حمى
هامش
( 1 ) وعلامة الغروب الشرعيّ الدالّ على مغيب الشمس ، هي ذهاب الحمرة التي تبدو في المشرق حين سقوط قرص الشمس وغيابها عن الأفق . ويبدو ذلك جليا في آفاق الأرض المنبسطة التي لا يواري المشرق فيها مانع من جبل أو ربوة أو غيرها ، حيث تنتشر حمرة قاتمة سرعان ما تتبدّد إذا غابت الشمس فعلا ، وتزول فتظهر زرقة السماء من جديد .