تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
والناس كلهم يعرفون أي رجل كان والدي ، وما كان له من مال وثروة . خلاصة الأمر ، أنه لما انتقل والدي إلى جوار ربه ، أطلقت لهواي العنان وسمت سرح اللهو وعاقرت ابنة الكرم سنوات ، فابتليت بمرض عضال فقدت معه كل أمل بالشفاء . ونذرت نذرا للّه تعالى ، إنني سأحجّ وأغزو إذا ما شفيت من مرضي . ومنّ اللّه ، تعالى ، بالشفاء عليّ ، وقمت من المرض سالما . وعقدت العزم على الحج ، ثم الغزو ، وأعتقت جواريّ وغلماني جميعا ، ووهبتهم مالا وبيوتا وضياعا ، وألّفت بينهم بالزواج . ثم بعت ما كان لي من أسباب وضياع ومستغلات بخمسين ألف دينار ذهبا . وقلت في نفسي بأنني مقدم على سفرين محفوفين بالمخاطر ، فليس صوابا أن أحمل الذهب كله معي . ورأيت أن أحمل ثلاثين ألفا وأبقي العشرين الأخرى . فاشتريت إبريقي « 2 » نحاس ، ووضعت في كل منهما عشرة آلاف دينار ، وقلت : « والآن عند من أودعهما ؟ » ولم يدلني ضميري إلا على قاضي القضاة من المدينة كلها . وقلت في نفسي : « إنه رجل عالم وقاض ، وقد اعتمده الملك ووكل إليه دماء المسلمين وأموالهم ، إنه لن يخونني على أي حال » . فمضيت إليه وكلمته بالأمر سرّا ، فقبل هو وسررت أنا . ونهضت سحرا ، وحملت الإبريقين إلى بيته ووضعتهما عنده وديعة . ثم مضيت في سبيلي ، فأدّيت فريضة الحج ، وتوجهت من مكة والمدينة إلى بلاد الروم ، والتحقت بالغزاة وقضيت سنوات أجاهد في سبيل اللّه . وفي إحدى المعارك مع الكفار أصبت بجروح في مواطن من وجهي وعنقي وركبتي وفخذي ، ووقعت أسيرا بيد الروم ، وأمضيت أربع سنوات في أغلالهم وسجنهم إلى الوقت الذي ابتلي فيه القيصر بمرض ، فأطلق سراح جميع الأسرى . وبعد فكاكي من الأسر ، التحقت بالمطوعة وخدمت في صفوفهم . ولما هيأت نفقات طريق العودة قفلت راجعا على أمل أنني كنت قد أودعت قاضي بغداد عشرين ألف دينار . بعد عشر سنوات عدت إلى بغداد صفر اليدين ، رثّ الملابس ، هزيل الجسم لشدة ما قاسيت من مشاق السفر وآلام ضنك العيش في تلك المدة . وذهبت إلى القاضي ، فسلّمت عليه ، وجلست عنده ، وانصرفت . وتردّدت عليه ، على هذه الحال ، يومين . ولما لم يقل لي شيئا ذهبت إليه في اليوم الثالث ، وجلست طويلا . فلما لم يبق أحد اقتربت منه ، وقلت له بهدوء وبطء : « أنا فلان ابن فلان . قد حججت وغزوت وعانيت المتاعب والآلام . وأنفقت كل ما أخذت معي من مال وعدت بالحال ، التي تراني عليها ، لا ألوي على شيء . إنني في حاجة ، الآن ، إلى إبريقيّ الذهب اللذين ادخرتهما عندك لمثل هذه الأيام العصيبة » . لم يجب القاضي بقليل أو كثير حتى إنه لم يكلف نفسه أن يسألني : « ما تقول أنت ، ومع من ؟ » . ونهض إلى حجرته وتركني ، فعدت كسير الفؤاد . وكنت
هامش
( 2 ) مفردها إبريق ، وهي معربة عن « أبريز » الفارسية .