أبت ما لك تعبد موجودا اصمّ لا يسمع وأعمى لا يبصر ولا يفيدك قليلا ولا كثيرا في الجهة التي أنت في خطها فكأن الأب قال له فهل أنت عالم حتى تعلمني فقال له انى قد جاءني من العلم ما لم يأتك وانا إتماما للحجة ءاتيك وأرشدك فاتبعني وترسم اثرى أهدك صراطا لا اعوجاج فيه ولا تلوى حتى يضيعك بل ما أريده لك طريق لا حب لا ضلال معه يا أبت لا تتبع تسويلات الشيطان ان الشيطان من العصاة الغاوين المنحرفين ومن أعداء اللّه يا أبت تراجع عما يريده الشيطان لك فانى أخاف ان يمسك عذاب من اللّه فتكون تبعا للشيطان في كل ما يرد عليه من ربه وبعد هذا الحوار اللطيف جابهه أبوه بقوله أراغب أنت عن آلهتي التي اتخذها عمادا لحياتي يا إبراهيم لئن لم تنته من هذا النقاش والجدال لأرجمنك بالحجارة فابتعد عنى زمانا تنجو فيه بنفسك وتعيش حياتك فقال له إبراهيم سلام عليك تحية من ولد بارّ بك يريد صرف السوء عنك سأطلب من ربك ان يهيأك لقبول الهداية وبعد ذلك الغفران لك والتوبة عنك ان ربي لما يعلمه من حنانى عليك وإرادتي لنجاتك كان بي مشفقا لم ينقطع عن أفضاله على وتلطفه بي وكما أردت فاننى سوف اعتزلكم واعتزل آلهتكم وادعو ربي بهدايتكم فأنى واثق أن لا أكون بدعاء ربي شقيا مفلسا من آثاره صفر الكف من نتائجه فلما اعتزل عن قومه وتنحّى عن بلادهم وكان قبل ذاك عقيما لا يولد له وهبنا له إسحاق ولدا ويعقوب حفيدا وكلا من ولده وحفيده جعلنا نبيا هاديا ورسولا مرشدا ومعلما مهذبا ووهبنا لهذه الأسرة من رحمتنا ما يتكافأ مع قيامها بالمسؤولية وجعلنا لهم لسان صدق بعدهم يتحدث عن محاسنهم ويسرد ذكر فضائلهم ويعلى من شأنهم .
التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 292
مساهمون: محمد الكرمي
ص٢٩٢