وتدارك ما فات فان اللّه يغفر له خطيئته ويقيله عثرته ولو أنّه تعالى يبادر الجريمة بالعقاب فورا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد أقصاه يوم القيامة ولا يجدون حينذاك مرجعا يرجعون اليه دون اللّه وتلك القرى العاتية الظالمة أهلكنا أهلها بسبب ما ظلموا واجترموا وجعلنا لمهلكهم موعدا عينته المصالح المقتضية والحكمة اللازمة .
وهنا يأتي القول عن عنوان - ما هي وظائف البشرية المتعهدة بالنسبة إلى عقائدها الدينية الصالحة وإلى بعضهم البعض - فنقول ان هذه الأكوان على ما فيها من عجائب وغرائب وموجودات قهارة فان زبدتها ونخبتها هو عالم البشرية فإنها هي التي ان حسنت زادتها حسنا وان ساءت القت عليها ظلمة وبهمة ، بل كل مجتمع في محدودته له هذا الحكم ولذلك قد ترى مملكتان متجاورتان لا يفصل بينهما الّا حد محدود قد وفق اللّه إحداهما فيسرها لليسرى والأخرى ترزح تحت بؤسها وشقاقها وعلى حساب انبساط الأولى ترى سماءها وضّاءة وسماء الأخرى كاسفة وليس ذاك الانبساط وهذا الاختناق الّا نتيجة تجسم اعمال القطرين فالقطر الذي يزن بشريته بميزانها الواقعي أو القريب منه يطلع طلعة النور من تحت أجنحة الليل والآخر الذي لا يزنها بذلك الميزان لا يرى الّا تحت خيمة من ظلام موحش يقبض القلب ويقف دون اشعاع البصر ، ووزن البشرية بالوزنين الموافق والمعاكس منوط ومربوط بتوجه الإنسان إلى شعوره ومحاكمة ما يجرى في الكون على ضوء الدقّة في النظر ومبادلة الرأي والاقتباس من العقول الناضجة وأخذ الحذر دائما من التسرع والاغترار بالنفس .
ولا شك ان هذا الملاك الضامن لبقاء البشرية وسعادتها ليس من الهين تحقيقه في المجتمع البشرى الذي تسود العامية على أكثر فواصله
التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 255
مساهمون: محمد الكرمي
ص٢٥٥