تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
ثم بيّن اللّه تعالى بطلان حجة المجادلين في دين اللّه ، فقال :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ، حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ، وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
أي والذين يخاصمون في دين اللّه من بعد ما استجاب الناس له ، ودخلوا فيه ، حجّتهم باطلة عند ربّهم ، أي لا ثبات لها ، كالشئ الذي يزلّ عن موضعه ، وعليهم غضب عظيم من اللّه لمجادلتهم بالباطل ، ولهم عذاب شديد يوم القيامة . وسميت دعاويهم الزائفة وأباطيلهم حجّة ودليلا ، مجاراة لهم على زعمهم . قال مجاهد : وهؤلاء قوم توهّموا أن الجاهلية تعود ، فجادلوا الذين استجابوا للإسلام ، لعلهم يردّونهم إلى الجاهلية . وقال قتادة : هم اليهود والنصارى ، ومحاجّتهم قولهم : نبيّنا قبل نبيّكم ، وكتابنا قبل كتابكم . والظاهر هذا الرأي ، روي أن اليهود قالوا للمؤمنين : ألستم تقولون : إن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف ؟ فنبوّة موسى وحقيّة التوراة معلومة بالاتّفاق ، ونبوّة محمد ليست متّفقا عليها ، فوجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى ، فدحض تعالى هذه الحجة ، لأن الإيمان بموسى عليه السلام إنما وجب لظهور المعجزات على يديه ، للدلالة على صدقه ، وقد ظهرت المعجزات على يدي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فوجب الإقرار بنبوّته . ثم ردّ تعالى عليهم بقوله :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
أي لقد أنزل اللّه جميع الكتب المنزلة على الرّسل إنزالا مشتملا على الحقّ مقترنا به ، وعلى أنواع الدلائل والبيّنات ، وأنزل الميزان في كتبه المنزلة ، أي العدل والتسوية والإنصاف ، ليحكم به بين البشر ، وسمي العدل ميزانا ، لأن الميزان آلة الإنصاف والتّسوية بين الناس
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 47 | وهبة الزحيلي