تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
إن كفار مكة هؤلاء يقولون : ما هي وما العاقبة إلا الموتة الأولى التي نموتها بعد هذه الحياة الدنيوية ، ولا حياة بعدها ، ولا بعث ، وما نحن بمبعوثين . وهذا إنكار من اللَّه تعالى على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد ، وأنه ما ثمّ إلا هذه الحياة الدنيا ، ولا حياة بعد الممات ، ولا بعث ولا نشور ، وهذا كقوله تعالى :
وَقالُوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام 6 / 29 ] . ثم احتجوا بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا مخاطبين النبي والمؤمنين :
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي فإن كان البعث حقا ، فارجعوا إلينا آباءنا بعد موتهم إلى الدنيا ، إن كنتم صادقين فيما تدعونه من البعث . يروى أنهم طلبوا من النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أن يعجل اللَّه لهم إحياء الموتى ، فينشر كبيرهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وصحة البعث ، فلم يجبهم اللَّه إلى ذلك . وهذه حجة واهية ، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة ، لا في الدار الدنيا ، بل بعد انقضائها وذهابها ، يعيد اللَّه العالمين خلقا جديدا . ثم هددهم تعالى وتوعدهم وأنذرهم بأسه الذي لا يرد ، فقال :
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أَهْلَكْناهُمْ ، إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
أي أهم كفار قريش الذين هم عرب من عدنان خير في القوة والمنعة ، أم قوم تبّع الحميري الذين هم عرب من قحطان ، الذين كانوا أقوى جندا وأكثر عددا ، وكان لهم دولة وحضارة عريقة ومجد ، وكذلك الأمم الذين سبقوهم ، كعاد وثمود ونحوهم ، أهلكناهم جميعا لكفرهم وإجرامهم ، فإهلاك من هو دونهم لجرمه وضعفه وعجزه بالأولى ، فهم ليسوا بخير من قوم تبع في العدد والعز والمنعة .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 229 | وهبة الزحيلي