تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وتبّع : رجل صالح دار في الدنيا بجيوشه وغلب أهلها وقهرهم ، وقد كانت حمير وهم سبأ ، كلما ملك فيهم رجل سموه تبّعا ، كما يقال ( كسرى ) لمن ملك الفرس ، و ( قيصر ) لمن ملك الروم ، و ( فرعون ) لمن ملك مصر كافرا ، و ( النجاشي ) لمن ملك الحبشة ، وغير ذلك من الألقاب السلطانية . أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال : « لا تسبّوا تبّعا فإنه قد أسلم » . وكان يكتب إذا كتب : بسم اللَّه الذي ملك برا وبحرا . ثم أقام تعالى الدليل على قدرته الفائقة ليستدل بذلك على إمكان البعث ، فقال :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
أي كيف ينكرون البعث ، وقد شاهدوا أدلة قدرتنا في خلق هذا الكون ، فإنا خلقنا هذه السماوات والأرضين وما بينهما من المخلوقات المنظورة وغير المنظورة ، ما خلقنا ذلك عبثا ولعبا ، وباطلا ولهوا ، وإنما بإبداع لا مثيل له ، ولحكمة منقطعة النظير ، كقوله جل وعلا :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
[ ص 38 / 27 ] وقوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ، فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
[ المؤمنون 23 / 115 - 116 ] فهذا برهان على صحة البعث . وإنما جمع السماوات في قوله .
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ
لموافقة قوله في أول السورة :
رَبِّ السَّماواتِ
.
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أي ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما إلا خلقا ملازما للحق ، ولإظهار الحق ، وهو الاستدلال على وجود الخالق ووحدانيته ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك ، لقلة نظرهم ، فصاروا لا يرجون ثوابا ولا يخشون عقابا .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 230 | وهبة الزحيلي