تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
أي لا أسف ولا حزن عليهم من أحد بسبب بغيهم وفسادهم ، بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم ، ولم يمهلوا لتوبة ، لأنها غير منتظرة منهم . ثم أتبع اللَّه تعالى ما يقابل النقمة بالنعمة للعبرة ، فقال :
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ، مِنْ فِرْعَوْنَ ، إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
أي لقد خلصنا شعب بني إسرائيل بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم بالأعمال الشاقة ، من عذاب فرعون الذي كان متعاليا عنيدا ، متكبرا متجبرا ، ومن المسرفين في الكفر باللّه ، وارتكاب معاصيه ، ورأس الكفر : ادعاؤه الألوهية والربوبية بقوله : أنا ربكم الأعلى . وهذا كقوله تعالى :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً ، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ ، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[ القصص 28 / 4 ] وقوله سبحانه :
فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
[ المؤمنون 23 / 46 ] . ويلاحظ أن بيان الإحسان إلى موسى وقومه كان بعد بيان كيفية إهلاك فرعون وقومه ، لأن دفع الضرر مقدم على جلب المصالح والمنافع . ثم بيّن اللَّه تعالى مدى تكريمه لبني إسرائيل حين ذاك قائلا :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ، وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
أي لقد اختارهم اللَّه على عالمي زمانهم على علم منه باستحقاقهم لذلك ، لكثرة الأنبياء فيهم ، ولصبرهم مع موسى ، وجهادهم في سبيل اللَّه ، فلما بدلوا الإيمان بالكفر ، والصلاح بالفساد غضب اللَّه عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 223 | وهبة الزحيلي