تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
أي ويقال لهم في الآخرة توبيخا وتأنيبا وتيئيسا : لن ينفعكم في هذا إذ تبين أنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا اشتراككم في العذاب ، فلا يخفف عن كل منكما شيء منه ، بخلاف حال الدنيا ، فإن المصيبة فيها إذا عمت هانت . وهذا يدل على أن حصول الشركة في العذاب لا يفيد التخفيف ، كما كان يفيده في الدنيا ، لأن اشتغال كل واحد بنفسه في شدة العذاب ، يذهله عن حال الآخر ، فلا تفيد الشركة الخفة ، ولا يتمكن كل واحد من مواساة الآخر في كربه وحزنه وألمه ، فلكل قدر مشترك من العذاب . ثم بيّن اللّه تعالى لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم تسلية له ، فقال :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي أتستطيع يا محمد إسماع أهل الصمم أو هداية أهل العمى أو إرشاد من مستغرقا في ضلال واضح بيّن . وهذا بعد أن وصفهم تعالى بالعشا ، وصفهم بأوصاف ثلاثة هي : الصمم والعمى والضلال البيّن ، فهؤلاء الكفار ضعاف البصيرة ، بمنزلة الصم الذين لا يسمعون ما جئت به أيها الرسول ، وبمنزلة العمي الذين لا يبصرونه ، وهم مفرطون في الضلالة والكفر والجهالة . وكان التناسب بينهم وبين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عكسيا ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم يبالغ في دعوتهم إلى الإيمان الحق ، وهم لا يزدادون إلا غيا وتعاميا عن بيّنات القرآن ودلائل النبوة ، إمعانا في الكفر ، وعنادا في الباطل . ثم أعلم اللّه رسوله بانتقامه منهم ، فقال :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ
أي إنهم لا يفلتون من العقاب في العاجل أو الآجل ، فإن قبضنا روحك وأمتناك أيها الرسول قبل نزول العذاب بهم ، فنحن منتقمون منهم إما في