تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
لا يفهمون ما فيه ، ولهذا تواصوا باللغو فيه ، وهو عليهم معمّى ، لا يهتدون إلى ما فيه من البيان ، ولا يبصرون ما اشتمل عليه من براهين ومواعظ . وهذا كقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة 2 / 171 ] . ثم أكد اللّه تعالى عدم استعدادهم لفهم القرآن ، فقال :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
أي إن حالهم كحال من ينادى من مسافة بعيدة ، يسمع صوت من يناديه منها ، ولا يفهم أو لا يفقه ما يقال له ، لأنهم أعرضوا ولم يريدوا سماع القرآن . ثم أوضح تعالى أن التكذيب بكتاب اللّه عادة قديمة في الأمم ، فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ
أي لا تستغرب يا محمد ، فتلك عادة الأمم مع أنبيائهم ، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة عليهم ، والمثال على ذلك : أننا أرسلنا موسى وآتيناه التوراة ، فاختلفوا فيها بين مصدّق ومكذب ، وكذّب موسى وأوذي ، فلا تأس على فعل قومك ، واصبر على الأذى ، واستعن باللّه ولا تعجز ، كما قال تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف 46 / 35 ] . ثم بيّن اللّه تعالى سبب تأخير العذاب عنهم فقال :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
أي ولولا ما سبق من حكم اللّه بتأخير العذاب والحساب عن المكذبين من أمتك إلى يوم المعاد ، لعجل لهم العذاب ، كما فعل بالأمم المكذبة ، وكما قال تعالى :
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
[ الكهف 18 / 58 ] وقال سبحانه :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ، ما تَرَكَ عَلى