تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفّيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه » . ثم أمر سليمان عليه السلام بتغيير صفات عرش بلقيس ، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته ، كما حكى تعالى :
قالَ : نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي ، أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ
أي قال سليمان لأتباعه : غيّروا هيئة عرشها وصفته وشكله لنختبر حالها ، وننظر في إمكاناتها العقلية وملاحظاتها الفكرية ومقدار ذكائها ، أتهتدي إليه ، فتعرف أنه عرشها ، أم تكون غير مهتدية إليه أو تائهة عنه متحيرة في الحكم وإبداء الرأي ؟ وذلك يدل على قدرة اللّه تعالى بنقله من مكان بعيد إلى بلاد الشام ، وعلى صدق سليمان عليه السلام .
فَلَمَّا جاءَتْ ، قِيلَ : أَ هكَذا عَرْشُكِ ؟ قالَتْ : كَأَنَّهُ هُوَ
أي حين قدمت ، عرض عليها عرشها ( سرير الملك ) وقد غيّر وزيد فيه ونقص ، فسئلت عنه : أمثل هذا عرشك ؟ ولم يقل : أهذا عرشك ؟ لئلا يكون تلقينا ، فقالت : كأنه هو ، أي يشبهه ويقاربه ، ولم تجزم أو تقطع يقينا بأنه هو ، لاحتمال أن يكون مثله بسبب بعد مسافته عنها . وكان جوابها جواب سياسي بارع ذكي محنّك ، دل على كمال عقلها ودهائها ، وثبات شخصيتها ، وأنها في غاية الذكاء والحزم ، فشبهت عليهم من حيث شبهوا عليها .