تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
أي وأنزلنا قرآنا مفرقا منجما في مدى ثلاث وعشرين سنة ، فلم ينزل في يومين أو ثلاثة ، وإنما أنزلناه بحسب الوقائع والحوادث وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة العامة النافعة في الدنيا والآخرة على وفق المناسبات ، وقد ابتدأ نزوله في ليلة مباركة هي ليلة القدر في رمضان ، وقرئ
فَرَقْناهُ
بالتشديد ، أي أنزلناه آية آية مبينا مفسرا . وذلك لتبلغه للناس وتتلوه عليهم على مهل ، ونزلناه تنزيلا أي شيئا بعد شيء ، على الحد المذكور والصفة المذكورة . وفائدة قوله :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
بعد قوله
فَرَقْناهُ
بيان كون التنزيل على حسب الحوادث . ثم هددهم اللّه محتقرا لهم غير مبال بشأنهم بقوله :
قُلْ : آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين لم يقتنعوا بكون القرآن معجزة كافية ، وقالوا لك :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء 17 / 90 ] آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به ، فهو حق في نفسه أنزله اللّه ، وكتاب خالد إلى أبد الدهر .
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ . . .
أي إن علماء أهل الكتاب الصالحين الذين تمسكوا بكتابهم ولم يبدلوه ولم يحرفوه ، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يسجدون على وجوههم تعظيما للّه عز وجل ، وشكرا على ما أنعم به عليهم ، وعبر عن السجود بقوله
لِلْأَذْقانِ
لأن الإنسان كلما ابتدأ بالخرور والإقبال على السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض : الذقن ، أو هو كناية عن المبالغة في الخضوع والخشوع والخوف من اللّه تعالى . ويقولون في سجودهم :
سُبْحانَ رَبِّنا . . .
أي تنزيها للّه تعالى وتعظيما وتوقيرا على قدرته التامة ، وأنه لا يخلف الميعاد ، لذا قال :
إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا