فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
أي لما عتوا وبغوا وعقروا الناقة ، أخذتهم صيحة الهلاك في وقت الصباح من اليوم الرابع من موعد العذاب ، كما قال تعالى :
فَقالَ : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
[ هود 11 / 65 ] .
فَما أَغْنى عَنْهُمْ . .
أي فما نفعتهم تلك الأموال لما جاء أمر ربك ، وما دفعت عنهم ذلك العذاب ، ولم يستفيدوا من مكاسبهم وهي ما كانوا ينحتونه من البيوت في الجبال ، وما كانوا يستغلونه من الزروع والثمار ، التي ضنوا بمائها عن الناقة ، حتى عقروها ، لئلا تضيق عليهم في المياه ، بل أصبحوا هلكى جاثمين .
ولما أخبر اللّه تعالى عن إهلاك الكفار ، فكأن شخصا تساءل ، كيف يليق التعذيب والإهلاك بالرحيم الكريم ؟ فأجاب تعالى عنه بقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . .
أي وما خلقنا هذه المخلوقات في السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق ، أي بالعدل والحكمة ، لا ظلما ، ولا باطلا ولا عبثا ، ليكون الخلق مشتغلين بالعبادة والطاعة ، فإذا تركوها وأعرضوا عنها ، وجب في مقتضى العدل والحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم . وفي هذا إشارة إلى أن تعذيب المكذبين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الآخرة هو حق وعدل وحكمة ومصلحة للبشر أنفسهم .
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
أي وإن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، وفي هذا تهديد للعصاة ، وترغيب للطائعين .
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
أي فأعرض يا محمد عن المشركين ، واحتمل ما تلقى منهم من أذى إعراضا جميلا بحلم وإغضاء ، وهذا مخالقة للناس بخلق حسن ، فهو غير منسوخ . والشائع أن هذا الصفح قبل الأمر بالقتال ، فهو منسوخ .
قال الرازي : كون الصفح منسوخا بآية السيف بعيد ؛ لأن المقصود من ذلك