تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
بِما كانُوا يُفْسِدُونَ
أي هذه الزيادة من العذاب بسبب الإفساد والصد . وهذا دليل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال ، فقد عظم عذابه ، فكذلك إذا دعا إلى الدين الحق واليقين ، فقد عظم قدره عند اللّه تعالى . والآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم ، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم ، كما قال تعالى :
قالَ : لِكُلٍّ ضِعْفٌ ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
[ الأعراف 7 / 38 ] . ثم خصص اللّه تعالى بالذكر شهادة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته ، وهو نوع آخر من التهديد المانع من المعاصي ، فقال مخاطبا رسوله :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ . .
أي واذكر أيها الرسول يوم نبعث في كل أمة ( أي قرن وجماعة ) نبيها يشهد عليها ، قطعا للحجة والمعذرة ، وجئنا بك شاهدا على هؤلاء أي أمتك ، بما أجابوك به عن رسالتك ، فيظهر لك الشرف الرفيع والمقام العظيم . وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد اللّه بن مسعود حين قرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدر سورة النساء ، فلما وصل إلى قوله :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء 4 / 41 ] فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسبك » فقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : فالتفتّ ، فإذا عيناه تذرفان . ثم أبان اللّه تعالى بمناسبة بيان شهادة النبي على أمته أنه أزاح علتهم فيما كلفوا ، فلم يبق لهم حجة ولا معذرة ، فقال :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً . .
أي ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانا لكل شيء من العلوم والمعارف الدينية ، مما يحتاج إليه الناس في حياتهم ، وهدى للضالين ، ورحمة لمن صدّق به ، وبشرى لمن أسلم للّه وجهه ، فأطاعه وأناب إليه ، بجنان الخلد والثواب العظيم .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 207 | وهبة الزحيلي