تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وبعد أن أمر اللّه تعالى بالاستقامة ، نهى عن ضدّها وهو الطّغيان ، أي البغي وتجاوز حدود اللّه ، فإنه مزلقة إلى الهلاك ، فقال تعالى :
وَلا تَطْغَوْا
. ثمّ حذّر اللّه تعالى من المخالفة ، فقال :
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي إنه تعالى بصير بأعمال العباد ، لا يغفل عن شيء ، ولا يخفى عليه شيء ، فيجازي عليها . والدّعوة إلى الاستقامة وتجنّب الطّغيان هو هدف القرآن الكريم المتكرر فيه ، فقال تعالى :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ، وَقُلْ : آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ، اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[ الشورى 42 / 15 ] . ثم نبّه اللّه تعالى إلى خطر الميل مع الظالمين ، فقال :
وَلا تَرْكَنُوا . .
أي ولا تميلوا إلى الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضى بأعمالهم ، أو استعانة بهم ، أو اعتماد عليهم ، فتصيبكم النّار بركونكم إليهم ، فالرّكون إلى الظّالمين ظلم ، وليس لكم من غير اللّه أنصار أبدا ينفعونكم ، ويمنعون العذاب عنكم ، ثم لا ينصركم اللّه ، أي لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة ؛ لأنه تعالى لا ينصر الظّالمين :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
[ البقرة 2 / 270 ] ،
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
[ الحجّ 22 / 71 ، فاطر 35 / 37 ] . والآية تدلّ على عاقبة الرّكون ، وعلى أن الميل إلى الظّالمين موقع عادة في الظّلم ، ومزلقة تستدعي إقرارهم على ما يفعلون ، والرّضى بما هم عليه من الظّلم ، واستحسان طريقتهم ، وتزيينها عندهم وعند غيرهم ، ومشاركتهم في أعمالهم الظّالمة . قال البيضاوي : ولعل الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن الظّلم والتّهديد عليه . وإذا كان الرّكون إلى الظّلم موجبا عذاب النّار ، فكيف يكون حال الظّالم في نفسه ؟ !