والأخلاق ، دون إفراط ولا تفريط . فالاستقامة تقتضي توحيد اللّه في ذاته وصفاته ، والإيمان بالغيب من جنّة ونار وبعث وحساب وجزاء ، وملائكة وعرش ، والتزام ما أمر به القرآن في نطاق العبادات والمعاملات . وهي درجة عليا وعسيرة إلا على من جاهد نفسه ، وترفّع عن أهوائه وشهواته ، وقد أمر بها موسى وهارون بقوله تعالى :
قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ يونس 10 / 89 ] ، وكان جزاؤها تطمين الملائكة بعدم الخوف والحزن ، والتّبشير بالجنّة ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ ، ثُمَّ اسْتَقامُوا ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
[ فصلت 41 / 30 ] ،
وأجاب النّبي صلى اللّه عليه وسلّم سائلا - هو سفيان الثقفي فيما رواه مسلّم - قال : يا رسول اللّه ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ فقال : « قل آمنت باللّه ثم استقم » .
ولا يعني أمر الرّسول بالاستقامة أنه لم يكن مستقيما ، وإنما كان على العكس في غاية الاستقامة ، والمقصود بهذا الأمر الدّوام والاستمرار على ما هو عليه . فاللّه تعالى يأمر رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدّوام على الاستقامة ، وذلك من أكبر العون على النّصر على الأعداء . وخطاب الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين بالاستقامة للتّثبيت على الاستقامة .
وفي الآية دليل على وجوب اتّباع النّصوص الشّرعية من غير تصرّف وانحراف ، ولا تقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح ، ومن حاد عن منهج السّلف زاغ وضلّ ، فكانوا كقوله تعالى :
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ الرّوم 30 / 32 ] .
وطريق رفع الخلاف الرّد إلى القرآن والسّنة ، فقال تعالى :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النّساء 4 / 59 ] .