تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
قدرة على شيء من تدبير أمور العباد ودفع الضر عنهم ، بل إنهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ، ولا يملكون جلب أي نفع لهم .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . .
أي ما يتبع المشركون في الحقيقة فيما يزعمون إلا الظن الفاسد والخطأ الفادح ، وما هم في هذا الظن إلا متخرصون كاذبون فيما ينسبون إلى اللّه ، أو حازرون مقدّرون أن تكون شركاء تقديرا باطلا . فهذه الجمل الثلاث بعد بيان استقلال اللّه بملكية ما في السماوات وما في الأرض مؤكدات متوالية ، تؤكد سلب صلاحية الملائكة والأصنام والمسيح وغيرهم عن اتخاذها آلهة ، ولا اتخاذها وسطاء أو شفعاء أو وسائل للّه ، كما هو شأن حكام الدنيا والملوك الظالمين الذين لا يصل إليهم إلا الوسطاء ، فجميع من في السماوات والأرض مملوك للّه تعالى :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
[ مريم 19 / 93 ] والمملوك لا شأن له أمام المالك . ثم استدل تعالى على كون العزة للّه جميعا وانعدام أي دور للشركاء مع اللّه في الخلق والتقدير والتصرف والتدبير بقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ . .
أي إنه تعالى قسم الزمان قسمين وهما الليل والنهار ، وجعل الليل للاستراحة والسكن والاطمئنان فيه بعد عناء النهار والاشتغال فيه ، وجعل النهار مضيئا للمعاش والسعي والأسفار وقضاء المصالح ، كقوله تعالى :
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[ النبأ 78 / 9 - 11 ] وقوله سبحانه :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ، لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ الإسراء 17 / 12 ] . ففي هذا تنبيه على كمال قدرته تعالى ، وعظيم نعمته المتوحد هو بهما ، ليدلّهم على تفرده باستحقاق العبادة ، وأن يوحدوه بها ، بأنه أظلم الليل للسكن فيه من متاعب المعاش في النهار ، وأضاء النهار لإبصار مطالب الأرزاق