تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
ثم جاء الفصل الثالث من القصة ومضمونه مقالة ملأ فرعون : قال السادة من قوم فرعون الموافقون له وأهل مشورته :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
أي خبير بفنون السحر وأنواعه ، وله خطره إذ قد يستميل الناس بسحره ، فيكون ذلك سببا لغلبته علينا ، ونزع ملكنا ، وإخراجنا من أرضنا بسحره ، وذلك كله مصرح به في آية أخرى خاطبوا بها موسى وأخاه هارون :
قالُوا : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
[ يونس 10 / 78 ] وهو في الواقع صدى لما قاله فرعون وحكاه اللّه عنه بقوله :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ، فَما ذا تَأْمُرُونَ
[ الشعراء 26 / 34 - 35 ] . ثم وقع ما خافوا منه ، كما قال تعالى :
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
[ القصص 28 / 6 ] . وتابع الملأ كلامهم وإبداء رأيهم : قال الملأ لفرعون بعد أن استشارهم بقوله السابق :
فَما ذا تَأْمُرُونَ ؟
: أخّر الفصل في أمره وأمر أخيه ، وأرسل في الأقاليم ومدائن ملكك فئة من جندك حاشرين ، أي جامعين لك السحرة من سائر البلاد . وإنما قال : في المدائن لأن السحر ينشط في المدن الجامعة المأهولة بكثرة الناس . وكان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ، فتوهموا أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل شعوذة الساحرين ، فجمعوا له السحرة ، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات ، كما أخبر تعالى فرعون حيث قال :
قالَ : أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ ، مَكاناً سُوىً . قالَ : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ ، فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى
[ طه 20 / 57 - 60 ] .