صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في تبليغه وحي ربه ، قالوا حسدا منهم وتعنتا وغرورا وظنا منهم أن النبوة منصب دنيوي : لن نؤمن حتى يكون لنا مثل محمد منصب عند اللّه ، وتظهر على أيدينا آية كونية أو معجزة مثلما أوتي رسل اللّه كفلق البحر لموسى ، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى ؛ لأنهم أكثر مالا وأولادا وأعز جانبا ورفعة بين الناس .
وقال ابن كثير : حتى تأتينا الملائكة من اللّه بالرسالة ، كما تأتي إلى الرسل ، كقوله جلّ وعلا :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا
[ الفرقان 25 / 21 ] .
وهكذا يظهر أن مشركي مكة أكابر قريش طمحوا أن تكون النبوة في بعضهم ، كما حكى تعالى عنهم :
وَقالُوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
[ الزخرف 43 / 32 ] والقريتان : مكة والطائف . وفي آية أخرى :
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً
[ المدثر 74 / 52 ] .
فردّ اللّه عليهم بقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه . فالرسالة منصب ديني له مقومات خاصة ، وفضل من اللّه يمنحه من يشاء من عباده ، لا ينالها أحد بكسب أو جهد ، أو بسبب أو نسب ، أو بخصائص دنيوية عادية كالمال والولد والزعامة والنفوذ ، وإنما تؤتى من هو أهل لها لسلامة فطرته ، وطهارة قلبه وقوة روحه ، وحسن سيرته ، وحبه الخير والحق .
ثم أوعد اللّه المتخلفين عن الإيمان بدعوة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ . . .
أي سيلحق المجرمين يوم القيامة ذل وهوان دائمان ، ويدركهم العذاب المؤلم الشديد ، جزاء بما كانوا يمكرون ، وعقوبة لتكبرهم عن