تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ثم أكدّ للّه تعالى عدم تبديل كلماته بقوله :
وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
أي ولقد أخبرناك من أخبار المرسلين التي تفيد تكذيب الناس لهم وصبرهم ثم نصر اللّه لهم كما قال :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
[ غافر 40 / 51 ] وقال أيضا :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الروم 30 / 47 ] والنصر مقيد كما هو واضح في هذه الآية وغيرها بشرط توافر الإيمان الصحيح وصدق المؤمنين ، كما قال تعالى :
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ الحج 22 / 40 ] وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
[ محمد 47 / 7 ] . وأراد اللّه أن يستأصل شدة وقع الحزن والألم على قلب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسبب إعراض قومه عن دعوته ، فقال له :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ . . .
أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك ، فإن استطعت أن تطلب لنفسك نفقا في أعماق الأرض ، فتسير فيه ، أو سلّما في أجواء السماء ، فترقى فيها إلى ما فوقها ، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك ، فأت بها ، ولكنك مجرد رسول من عندنا ، لا تستطيع شيئا إلا بإرادتنا ، وكل رسول لا يقدر على شيء أبدا مما يعجز عنه البشر إلا بدعم من اللّه عز وجل . ومن أمثلة اقتراحاتهم الإتيان بمعجزات مادية محسوسة كما طلب اليهود تماما : تفجير ينبوع في الأرض ، أو تنزيل كتاب من السماء ونحو ذلك ، كما قال تعالى حاكيا مطالبهم :
وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ، حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ، قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي ، هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء 17 / 90 - 93 ] أي أنك بشر لا تقدر على شيء مما يعجز عنه سائر البشر ، ولا يستطيع إيجاده غير اللّه تعالى .