تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
قال ابن عاشور : والمراد من
قَبْلِكُمْ
من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع ، وهم أهل الكتاب أعني اليهود ؛ لأنّهم الّذين يعرفهم المخاطبون ويعرفون ظاهر شؤونهم وكانوا على اختلاط بهم في المدينة . وكان لليهود صوم فرضه اللّه عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم ، وهو الشهر المسمّى عندهم « تسري » يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر ، وهو يوم كفّارة الخطايا ويسمّونه « كبّور » . ثمّ إنّ أحبارهم شرّعوا صوم أربعة أيّام أخرى ، وهي الأيّام الأوّل من الأشهر : الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم ، تذكارا لوقائع بيت المقدس . وصوم يوم « بوريم » تذكارا لنجاتهم من غضب ملك الفرس « خشايار شاه » في قصّة « استيرا » . وعندهم صوم التطوّع . [ 2 / 4639 ] وفي الحديث : « أحبّ الصيام إلى اللّه : صيام داوود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما » « 1 » . أمّا النصارى فليس في شريعتهم نصّ على تشريع صوم زائد على ما في التوراة ، فكانوا يتّبعون صوم اليهود . [ 2 / 4640 ] وفي صحيح مسلم عن ابن عبّاس : قالوا : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنّ يوم عاشوراء تعظّمه اليهود والنصارى « 2 » . ثمّ إنّ رهبانهم شرّعوا صوم أربعين يوما اقتداء بالمسيح ، إذ صام أربعين يوما قبل بعثته . ويشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها . إلّا أنّهم يتوسّعون في صفة الصوم ، فهو عندهم : ترك الأقوات القويّة والمشروبات ، أو هو تناول طعام واحد في اليوم ، يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة « 3 » . * * * قال الشيخ محمّد عبده : الصوم ، إعداد للنفس وتهيئة لها لتقوى اللّه بالمراقبة له وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضارّ والمحرّمات . وقد كتب على أهل الملل السابقة ، فكان ركنا من كلّ دين ، لأنّه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب . وفي إعلام اللّه لنا بأنّه فرضه علينا كما فرضه على الّذين من قبلنا ، إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده ، وتأكيد
هامش
( 1 ) مسلم 3 : 166 . ( 2 ) المصدر : 151 . ( 3 ) التحرير والتنوير لابن عاشور 2 : 156 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 462 | الشيخ محمد هادي معرفة