تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
النفوس القاتلة أو الجارحة والشاجّة عمدا ، كذلك العفو أيضا عن ذلك . وأمّا معنى قوله :
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
فإنّه يعني : فاتّباع على ما أوجبه اللّه له من الحقّ قبل قاتل وليّه ، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه ، في أسنان الفرائض أو غير ذلك ، أو يكلّفه ما لم يوجبه اللّه له عليه . كما : [ 2 / 4476 ] روى بشر بن معاذ ، عن يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : بلغنا عن نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « من زاد أو ازداد بعيرا » يعني في إبل الديات وفرائضها « فمن أمر الجاهلية » . وأمّا إحسان الآخر في الأداء ، فهو أداء ما لزمه بقتله لوليّ القتيل على ما ألزمه اللّه وأوجبه عليه من غير أن يبخسه حقّا له قبله بسبب ذلك ، أو يحوجه إلى اقتضاء ومطالبة . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل :
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
ولم يقل : فاتّباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، كما قال :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ
« 1 » ؟ قيل : لو كان التنزيل جاء بالنصب ، وكان : فاتّباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، كان جائزا في العربيّة صحيحا على وجه الأمر ، كما يقال : ضربا ضربا ، وإذا لقيت فلانا فتبجيلا وتعظيما ، غير أنّه جاء رفعا ، وهو أفصح في كلام العرب من نصبه ، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا له ممّا يكون فرضا عامّا فيمن قد فعل وفيمن لم يفعل إذا فعل ، لا ندبا وحثّا . ورفعه على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فالأمر فيه اتّباع بالمعروف ، وأداء إليه بإحسان ، أو فالقضاء والحكم فيه اتّباع بالمعروف . وقد قال بعض أهل العربيّة : رفع ذلك على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فعليه اتّباع بالمعروف . وهذا مذهبي ، والأوّل الّذي قلناه هو وجه الكلام ، وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن فإنّ رفعه على الوجه الّذي قلناه ، وذلك مثل قوله :
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
« 2 » وقوله :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
« 3 » . وأمّا قوله :
فَضَرْبَ الرِّقابِ
فإنّ الصواب فيه النصب ، وهو وجه الكلام ؛ لأنّه على وجه الحث من اللّه - تعالى ذكره - عباده على القتل عند لقاء العدوّ ، كما يقال : إذا لقيتم العدوّ فتكبيرا وتهليلا ،
هامش
( 1 ) محمّد 47 : 4 . ( 2 ) المائدة 5 : 95 . ( 3 ) البقرة 2 : 229 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 421 | الشيخ محمد هادي معرفة