تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
وفي الحديث : « يا باغي الخير هلمّ » . وفي التنزيل
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ
« 1 » أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم . فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحلّ ويحرم من الأكلّ ، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمّة . وإنّما كان هذا التحديد لازما لئلّا يتّبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار ، إذا هو وكل إليهم بلا حدّ ولا قيد ، فيزعم هذا أنّه مضطرّ وليس بمضطرّ ، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حدّ الضرورة . فعلم من قوله :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
كيف تقدّر الضرورة بقدرها . والأحكام عامّة يخاطب بها كلّ مكلّف ، لا يصحّ استثناء أحد إلّا بنصّ صريح من الشارع « 2 » . وحاول سيّدنا العلّامة الطباطبائي الجمع بين الأقوال ومختلف الروايات ، بأنّها من قبيل عدّ المصاديق ، نظرا لعموم مفهوم الآية حسب استفادته رحمه اللّه قال : والجميع من قبيل عدّ المصاديق ، وهي تؤيّد ما استفدناه من ظاهر اللفظ . فقد فسّر قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
بكونه غير ظالم ولا متجاوز حدّه ، بمفهومهما العام . . قال : وأمّا لو اضطرّ في حال البغي والعدوّ ، كأن يكونا هما الموجبين للاضطرار ، فلا يجوز له ذلك « 3 » . وهكذا ذكر المحدّث الشيخ حرّ العاملي : أن لا منافاة بين التفسيرات ، ولا بعد في دخول المعاني في الآية « 4 » . قلت : لو كنّا نحن وظاهر سياق الآية ، فالمستفاد منها : أنّه مبدأ عامّ ينصبّ على هذه المحرّمات ، ولكنّه بإطلاقه يصحّ أن يتناول سواها في سائر المقامات ؛ فأيّما ضرورة ملجئة يخشى منها على الحياة ، فلصاحبها أن يتفادى هذا الحرج بتناول المحظور في الحدود الّتي تدفع هذه الضرورة ولا زيادة « 5 » . أمّا الّذي جاء في الروايات وفي سائر الأقوال ، فلا يشبه أن يكون تفسيرا للآية في سياقها العامّ ، اللّهمّ إلّا أن يراد الاستطراد وبيان وجه الاشتراك في الحكم ، لا تفسير الآية بالذات .
هامش
( 1 ) الكهف 18 : 28 . ( 2 ) المنار 2 : 99 . ( 3 ) الميزان 1 : 434 - 435 . ( 4 ) وسائل الشيعة 24 : 217 . ( 5 ) راجع : في ظلال القرآن ، المجلّد الأوّل : 222 .